إن قلت : قد ورد في القرآن المجيد ما ينافي ذلك ، كقوله تعالى لموسى وهارون - على نبينا وآله وعليهما السلام -
« فَقُولا لَهُ
- أي لفرعون -
قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى »
« 1 » ، مع علمه تعالى بأنّ فرعون لا يتذكّر ولا يخشى .
قلت : ما ذكرناه هو حكم العقل ، فإن كان على خلافه ظاهر فلا بدّ وأن يؤوّل ، كما يؤوّل قوله تعالى :
« الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى »
« 2 » ، فلعلّ قوله تعالى ذلك لأجل أنّه إذا دعوا فرعون يكون في حواريه وأتباعه من يتذكّر أو يخشى ، ولا يمكنهما أن يدعوا هم إلّا بهذا النحو ، فتدبّر .
وثالثاً : النقض بتكليف الجاهل والعاجز والغافل ؛ ضرورة أنّ الجاهل ونظرائه لا يكادون ينبعثون عن الخطاب - كما هو ظاهر - مع أنّ التكاليف شاملة لهم لا بعناوينهم . وغاية ما يكون لهم هي معذوريتهم في مخالفة الحكم الفعلي .
والذي يسهّل الخطب - كما أشرنا - هو تغاير مبادئ جعل الأحكام الكلّية مع مبادئ جعل الأحكام الجزئية ، وعدم انحلال الخطاب القانوني إلى الخطابات ، بل خطاب واحد متعلّق بكثيرين ، فلا تعدّد في ناحية الخطاب ، وإنّما التعدّد في ناحية المتعلّق ، فتدبّر واغتنم .
أضف إلى ذلك : أنّ الإرادة التشريعية - كما أشرنا غير مرّة - ليست إرادة إتيان المكلّف وانبعاثه نحو العمل ، وإلّا يلزم في الإرادة الأزلية عدم انفكاكها عنه وعدم إمكان العصيان ، بل هي عبارة عن إرادة التقنين والجعل على نحو العموم ، وفي مثله يراعى المصلحة العقلائية ، ومعلوم : أنّه لا تتوقّف صحّته عندهم على صحّة الانبعاث من كلّ أحد ، كما يظهر بالتأمّل في القوانين العرفية .
هامش
( 1 ) - طه ( 20 ) : 44 .
( 2 ) - طه ( 20 ) : 5 .