والثاني : ما ذهب إليه جلّ المحقّقين ، وهو تأصّل الأحكام الوضعية في الجعل كالأحكام التكليفية « 1 » ، فعلى المشرب الأوّل لا بدّ وأن يلتزم الشيخ قدس سره ومن يحذو حذوه أن لا تكون الخمر التي في أقصى نقطة المغرب بالنسبة إلى من يكون في أقصى نقطة المشرق نجسة ؛ لأنّها غير محرّمة عليه ؛ لعدم ابتلائه بها . إلّا أن يقال : إنّها نجسة ومحرّمة على من يكون مبتلى بها ، فيكون الحكم الوضعي نسبياً ، ولا يكاد يلتزم به ، وضرورة الفقه على خلافه .
وأمّا على المشرب الثاني فلا بدّ لهم أيضاً من الالتزام بما ذكر ؛ لأنّ جعل الأحكام الوضعية لأجل الأحكام التكليفية وترتّب الآثار ، فجعل الطهارة للماء - مثلًا - لجواز الوضوء والغسل ونحو ذلك منه ، فإذا كان ترتّب الآثار ملحوظاً شخصاً فشخصاً فلا بدّ من اختصاص جعل الطهارة بالنسبة إلى شخص دون شخص ، فيلزم أن يكون الحكم الوضعي نسبياً ، وقد عرفت أنّهم غير ملتزمين به ، مضافاً إلى أنّه خلاف ضرورة الفقه .
وثانياً : النقض بتكليف الكفّار والعصاة ؛ وذلك لأنّ لازم القول بانحلال الخطاب إلى خطابات متعدّدة عدم مخاطبة الكفّار والعصاة بالتكاليف ؛ لأنّ البعث - كما أشرنا - لغاية الانبعاث ، فإذا علم عدم الانبعاث لا يكاد يعقل البعث نحوه ؛ بداهة أنّه كما لا يصحّ خطاب الجماد ، فكذلك لا يصحّ خطاب من يعلم بعدم انبعاثه ؛ لوحدة الملاك ، فكما لا يصحّ الخطاب الشخصي بالكافر أو العاصي ، فكذلك الخطاب العمومي المنحلّ إلى خطابات عديدة بعدد رؤوس المكلّفين ، مع أنّ الضرورة قائمة على شمول الأوامر والنواهي للعصاة ، والمحقّقون على أنّها شاملة للكفّار أيضاً ؛ لكونهم مكلّفين بالفروع كما يكونون مكلّفين بالأُصول .
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 454 - 458 ، فوائد الأصول 4 : 392 ، نهاية الأفكار 4 ، القسم الأوّل : 90 .