وترامى البلاد بي والأقطار ، ونبوّ الأوطان عنى والأوطار ، حتى طفقت أجوب كل أغبر قاتم الأرجاء ، وأحرر كل سطر منه في شطر من الغبراء . . .
شرح
العاصفة المزيلة للهب النار ، كما أن النكبات مزيلة لانتشار الفطنة في المدارك ، ولا يخفى ما في جميع هذه الألفاظ - أي الجمود والصر والخمود والصرصر - من اللطافة ؛ لما فيه من مراعاة النظير ، وهو الجمع بين الشئ وما يناسبه لا بالتضاد ؛ لأن البرد يناسبه الجمود ؛ لأن به يحصل جمود الماء ، والريح العاصفة تناسب الخمود ؛ لأنها لشدتها تذهب النار ، وفي إضافة الجمود إلى القريحة والخمود إلى الفطنة ، المفضية إلى تشبيه طبيعته العقلية بالماء ، إشارة إلى جودتها واعتدالها بأخذها طرفي الحرارة والبرودة ، ولا يرد أن المقام للتّشكّى ، وهو لا يكون بما يحمد ؛ لأن الجودة باعتبار الأصل ، والتشكى باعتبار ما عرض من الجمود والخمود . ( قوله : وترامى البلدان ) أي : ومع ترامى - أي رمى - كل بلدة بي الأخرى ، ورمى البلد له : طرده إياه ، وهو كناية عن تكدر خاطره في ضيق المعاش ، وعدم استقراره في محل ؛ لتلبسه بالأسفار ، فهو لعدم وجود راحته في تلك البلاد الخارج منها صار كأن كل بلدة تطرده للأخرى ، وفي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه البلدان والأقطار بعقلاء على طريق الاستعارة بالكناية ، وإثبات الترامي تخييل ، أو في الكلام حذف مضاف ، أي : ترامى أهل البلدان ، والأقطار جمع قطر ، وهو مجموع بلاد كثيرة ، ولما كان لا يلزم من ترامى البلاد له ترامى الأقطار عطف الأقطار على البلدان .
( قوله : ونبو ) أي ومع نبو - أي بعد - الأوطان عنى والأوطار ، أي ومع نبو الأوطار جمع وطر بمعنى الحاجة ، ومن لوازم ذلك القلق وعدم الفهم . وإنما بعدت أوطانه وأوطاره بسبب سفره المانع من نيلهما عادة . ( قوله : حتى طفقت ) غاية لنبو الأوطان ، وطفقت بمعنى :
جعلت ، أي أنه لما بعدت عنى الأوطان انتهى بي الحال إلى أن جعلت أجوب أي : أقطع ، ويحتمل أن " حتى " تفريعية على و " ترامى " . . . إلخ . ( قوله : كل أغبر ) أي : كل مكان أغبر أي :
ذي غبرة . ( قوله : قاتم الأرجاء ) جمع رجا بالقصر بمعنى : الناحية ، أي مظلم النواحي بتلك الغبرة . ( قوله : وأحرر ) أي : أهذب وأخلص . ( قوله : كل سطر منه ) أي من هذا الشرح المختصر . ( قوله : في شطر من الغبراء ) أي : في قطعة من الأرض ، فالتحرير ليس