نحو اختصار الأول ثانيا ، مع جمود القريحة بصرّ البليات ، وخمود الفطنة بصرصر النكبات ، . . .
شرح
( وقوله : نحو ) ظرف ل " ثانيا " بعده ، معناه : الجهة . ( قوله : مع جمود القريحة ) حال من فاعل " انتصبت " أو من " شرح " ، والجمود بالجيم : عدم السيلان ، استعير هنا لضعف القريحة أي عدم انبساطها وعدم توغلها في المدارك ، بجامع قلة الانتفاع إلا بعد تكلف ، أو أنه شبه القريحة بماء على طريق المكنية ، وإثبات الجمود تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار لضعف الفطنة ، والقريحة في الأصل اسم لأول مستنبط من ماء البئر استعير لأول ما يستنبط من العلم أو لما يستنبط منه مطلقا ، بجامع أن كلّا منهما سبب للحياة ، فالماء سبب لحياة الجسم ، والعلم سبب لحياة الروح ، ثم أطلق على العقل ؛ لأنه محل العلم أو بعضه - أي بعض ضروريّه ، على مذهب إمام الحرمين « 1 » - مجازا مرسلا علاقته الحالية أو الكلية ، أو استعارة ثم صار إطلاقه عليه حقيقة عرفية .
( قوله : بصرّ البليات ) أي : بسبب البليات التي كالصر ، وهو برد شديد يضر بالنبات ويجمد الماء . ( قوله : وخمود الفطنة ) الخمود - بالخاء المعجمة - : سكون لهب النار ، والفطنة في الأصل : الفهم ، والمراد بها هنا الذهن بمعنى العقل ، إما مجازا مرسلا علاقته الحالية ، أو حقيقة عرفية ، ولا يخفى ما في الكلام من الاستعارة بالكناية حيث شبه فطنته بالنار بجامع الانتشار في كل ؛ لأن الفطنة تنتشر في المدارك كما أن النار تنتشر في الحرق ، والخمود تخييل .
( قوله : بصرصر النكبات ) الصرصر : الريح الشديدة العاصفة ، وإضافته للنكبات بمعنى المصائب وحوادث الدهر من إضافة المشبه به للمشبه ، أي : بالنكبات الشبيهة بالريح
هامش
( 1 ) هو عبد اللّه بن عبد اللّه بن يوسف بن محمد بن عبد اللّه بن حيويه الجويني ، ويكنى بأبى المعالي ، ولد سنة 419 ه ، كان له معرفة تامة بالفقه والأصول والنحو والتفسير والأدب ، ومن مؤلفاته : الإرشاد والورقات في أصول الفقه ، ونهاية المطالب في دراية المذاهب ، وله في أصول الدين : " الشامل في أصول الدين ، توفى سنة 478 ه .
انظر : مقدمة غياث الأمم ، بتحقيق د / مصطفى حلمى وفؤاد عبد المنعم محمد .