ثم ما زادتهم مدافعتى إلا شغفا وغراما ، وظمأ في هواجر الطلب وأواما ، فانتصبت لشرح الكتاب على وفق مقترحهم ثانيا ، . . .
شرح
الجملتين لم تمنع من العمل المذكور كما هنا ، على حد ما ذكروا في قوله تعالى :وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ« 1 » من أن الفاء واقعة في غير محلها لعدم التوسط والمعمول مقدم لإفادة الاختصاص ولم تمنع الفاء من العمل في ذلك المعمول .
( قوله : ثم ما زادتهم مدافعتى . . . إلخ ) عبر بثم لإفادة تراخى زيادة الشغف والغرام عن ابتداء المدافعة الذي تضمنه قوله : ( وكنت أضرب . . . إلخ ) ، وفي التعبير بالمفاعلة إشارة لتكرر السؤال وتكرر الإعراض عنهم ، أي : ما زادتهم مدافعتى لهم المرة بعد المرة بتركى إجابتهم إلا شغفا - أي حبّا شديدا - في مطلوبهم الذي سألوه ، يدخل ذلك الحب في شغاف القلب أي جلدته التي هو في داخلها ، والغرام : الولوع . ( قوله : وظمأ ) هو العطش ، استعير للرغبة استعارة مصرحة ، والهواجر جمع هاجرة ، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر ، وإضافتها للطلب من إضافة المشبه به للمشبه ، أي : ورغبة في الطلب الشبيه بالهواجر ، بجامع الصعوبة على النفس في كل ، والمراد بالطلب : طلب اختصار المطول ، أو أنه شبه الطلب باليوم الطويل الذي فيه هواجر بجامع الاشتمال في كل ما يطلب دفعه على طريق المكنية ، والهواجر تخييل ، والأوام - بضم الهمزة - حرارة العطش ، فعطفه على الظمأ من عطف اللازم على الملزوم ، والمراد بالأوام هنا لازمه ، وهو الميل والحب . ( قوله : فانتصبت . . . إلخ ) أي فلما زادت رغبتهم ولم تمكن مدافعتهم تسبب عن ذلك أنى انتصبت ، أي : تصدّيت وتعرضت وتفرغت . ( قوله : على وفق مقترحهم ) الجار والمجرور صفة لمحذوف أي انتصابا أو شرحا كائنا على وفق - أي موافقة - مقترحهم أي مطلوبهم ، من كون ذلك الشرح مقتصرا فيه على بيان معاني المتن وكشف أستاره ، وفي التعبير بمقترحهم دون مطلوبهم أو مسئولهم إشارة إلى أنهم سألوا ذلك من غير روية وفكر ؛ لأن الاقتراح طلب الشيء من غير روية وفكر . ( وقوله : ثانيا ) صفة للمصدر المقدر بعد نعته بالجار والمجرور أي : انتصابا ثانيا أو شرحا ثانيا ، ويحتمل أن يكون ظرفا أي انتصبت لشرح ذلك الكتاب في زمن ثان .
هامش
( 1 ) المدثر : 3 .