تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وكيف ينهر عن الأنهار السائلون ، ولمثل هذا فليعمل العاملون . . .
شرح
باقية على حقيقتها ، والكلام على التشبيه بحذف المشبه ، أو أن الكرام والكأس والأرض مستعارات ، فالكرام مستعار للشارح ، والكأس للمطول ، والأرض للمنتحلين ، ويصح أن يكون المركب استعارة تمثيلية حيث شبه الهيئة الحاصلة من رفعته عليهم وهم دونه وأخذهم من كلامه ، بالهيئة الحاصلة من الأرض والشاربين من كأس ينزل شيء مما فيه عليها ، واستعمل اللفظ الدال على الهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة . ( قوله : وكيف ينهر ) أي : يطرد عن الأنهار السائلون ، أي : فكذلك أنا كيف أنهر هؤلاء المنتحلين الذين هم كالسائلين عن المطول الذي هو كالأنهار ؟ ففي الكلام تشبيه ضمني ، أو أنه استعار الأنهار للمطول ، واستعار السائلين للمنتحلين استعارة مصرحة ، ولما كان المطول محتويا على علوم كثيرة بحيث يقوم مقام كتب عدة ، شبهه بالأنهار لا بنهر واحد ، ثم إن هذا الاستفهام إنكاري بمعنى النفي في قوة تعليل ثان ، أو إنه تعجبي فيكون ترقيا فيما أفاده من كونه لا ينبغي الالتفات لما طلبوه من الاختصار ، واختار التعبير بالأنهار عن الأبحر لعذوبتها ، واختار " ينهر " على " يطرد " لمجانسة الاشتقاق بين ينهر والأنهار . ( قوله : ولمثل هذا فليعمل العاملون ) هذا اقتباس من الآية ، لكن الإشارة في الآية للفوز العظيم من النعمة والأمن من العذاب ، وأما هنا فللأخذ والانتهاب ، وأفرد اسم الإشارة ؛ لأنهما بمعنى واحد أو لتأويلهما بالمذكور ، أي : ويعمل العاملون لمثل هذا الأخذ أي لنيل ثواب مثل هذا الأخذ ؛ لما فيه من الرفعة الدنيوية والثواب الأخروى ، لا للحظوظ النفسانية ، وحينئذ فلا ينبغي قطعه بوضع مختصر ، والفاء في قوله : ( فليعمل ) زائدة لا تمنع من عمل ما بعدها فيما قبلها ، أو أنها سببية واقعة في جواب شرط مقدر ، والتقدير : مهما يكن من شئ فليعمل العاملون لمثل هذا ، حذف الشرط مع أداته اختصارا اعتمادا على الفاء ، وقدم المعمول لإفادة الحصر ، واستشكل بأن فاء السببية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ؛ لأن لها الصدارة ، والجواب : أنه لا يثبت لها هذا الحكم - أعنى الصدارة - إلا إذا وقعت في موضعها من توسطها بين جملتين لفظا ، فإن لم تتوسط بين