تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
يا بني إسرائيل ، يا أيها الذين آمنوا ؛ وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس ، وهي نوعان : مخلوقة للّه ومقدورة لهم كالنسب والصهر ، ولهذا افتتحت بقوله
اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
« 1 » ثم قال
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
« 2 » فانظر هذه المناسبة العجيبة في الافتتاح وبراعة الاستهلال ، حيث تضمنت الآية المفتتح بها ما أكثر السورة في أحكامه من نكاح النساء ومحرماته والمواريث المتعلقة بالأرحام ، وأن ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم ثم خلق زوجته منه ثم بث منهما رجالا ونساء في غاية الكثرة ؛ وأما المائدة فسورة العقود تضمنت بيان تمام الشرائع ومكملات الدين والوفاء بعهود الرسل وما أخذ على الأمة وبها تم الدين ، فهي سورة التكميل ؛ لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذي هو من تمام الإحرام وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين وعقوبة المعتدين من السراق ، والمحاربين الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال ، وإحلال الطيبات الذي هو من تمام عبادة اللّه تعالى ، ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد ( صلّى اللّه عليه وآله ) كالوضوء والتيمم والحكم بالقرآن على كل دين ، ولهذا كثر فيها من لفظ الإكمال والإتمام ، وذكر فيها أن من ارتد عوض اللّه ؛ خير منه ، ولا يزال هذا الدين كاملا ، ولهذا ورد أنها آخر ما نزل لما فيها من إشارات الختم والتمام . وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات من أحسن الترتيب . وقال أبو جعفر بن الزبير حكى الخطابي أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن وضعوا سورة القدر عقب العلق ، استدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكناية في قوله
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
الإشارة إلى قوله « اقرأ » قال القاضي أبو بكر ابن العربي وهذا بديع جدا .

فصل

قال في البرهان ومن ذلك افتتاح السور بالحروف المقطعة واختصاص كل واحدة بما بدئت به ، حتى لم يكن لترد « ألم » في موضع « الر » ولا « حم » في موضع « طس » . قال وذلك
هامش
( 1 ) . النساء / 1 . ( 2 ) . النساء / 1 .