تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
فالمحسوس أصل للمعقول وتشبيهه به يستلزم جعل الأصل فرعا والفرع أصلا وهو غير جائز . وقد اختلف في قوله تعالى
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
« 1 » الثاني ينقسم باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب والمركب أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض ، كقوله
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
« 2 » فالتشبيه مركب من أحوال الحمار وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه . وقوله
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
- إلى قوله -
كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
« 3 » فإن فيه عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه ، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضّيها وانقراض نعيمها واغترار الناس بها بحال ماء نزل من السماء وأنبت أنواع العشب وزيّن بزخرفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة ، حتى إذا طمع أهلها فيها وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس اللّه فجأة فكأنها لم تكن بالأمس . وقال بعضهم وجه تشبيه الدنيا بالماء أمران : أحدهما أن الماء إذا أخذت منه فوق حاجتك تضرّرت وإن أخذت قدر الحاجة انتفعت به ، فكذلك الدنيا . والثاني أن الماء إذا طبقت عليه كفك لتحفظه لم يحصل فيه شيء فكذلك الدنيا . وقوله
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
« 4 » الآية . فشبه نوره الذي يلقيه في قلب المؤمن بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة ، إما بوضعه في مشكاة وهي الطاقة التي لا تنفذ وكونها لا تنفذ لتكون أجمع للبصر وقد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها ، ودهن المصباح من أصفى الأدهان وأقواها وقودا ، لأنه من زيت شجرة ، في وسط السراج لا شرقية ولا غربية فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار بل تصيبها الشمس أعدل إصابة ، وهذا مثل ضربه اللّه للمؤمن . ثم ضرب للكافر مثلين أحدهما كسراب بقيعة والآخر كظلمات في بحر لجي إلى آخره وهو أيضا تشبيه تركيب .
هامش
( 1 ) . البقرة / 187 . ( 2 ) . الجمعة / 5 . ( 3 ) . يونس / 24 . ( 4 ) . النور / 35 .
گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 225 | جلال الدين السيوطي / دشتى