الثالث ينقسم باعتبار آخر إلى أقسام :
أحدها تشبيه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع ، اعتمادا على معرفة النقيض والضد ، فإن إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسة ، كقوله
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
« 1 » شبه بما لا يشك أنه منكر قبيح لما حصل في نفوس الناس من بشاعة صورة الشياطين وإن لم ترها عيانا .
الثاني عكسه ، وهو تشبيه ما لا تقع عليه الحاسة بما تقع عليه ، كقوله
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
« 2 » الآية . أخرج ما لا يحس وهو الإيمان إلى ما يحس وهو السراب .
والمعنى الجامع بطلان التوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة .
الثالث إخراج ما لم تجر العادة به إلى ما جرت ، كقوله تعالى
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ
« 3 » والجامع بينهما الارتفاع في الصورة .
الرابع إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها ، كقوله
وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
« 4 » والجامع العظم ، وفائدته التشويق إلى الجنة بحسن الصفة وإفراط السعة .
الخامس إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها ، كقوله تعالى
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
« 5 » والجامع فيها العظم ، والفائدة إبانة القدرة على تسخير الأجسام العظام في ألطف ما يكون من الماء ، وما في ذلك من انتفاع الخلق بحمل الأثقال وقطعها الأقطار البعيدة في المسافة القريبة وما يلازم ذلك من تسخير الرياح للإنسان ، فتضمن الكلام نبأ عظيما من الفخر وتعداد النعم . وعلى هذه الأوجه الخمسة تجري تشبيهات القرآن .
الرابع ينقسم باعتبار آخر إلى مؤكد ، وهو ما حذفت فيه الأداة ، نحو
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
« 6 » أي مثل مر السحاب .
وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ
« 7 »
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
« 8 » ومرسل ، وهو ما لم تحذف ، كالآيات السابقة ، والمحذوف الأداة أبلغ لأنه نزل فيه الثاني منزلة الأول تجوزا .
هامش
( 1 ) . الصافات / 65 .
( 2 ) . النور / 39 .
( 3 ) . الأعراف / 171 .
( 4 ) . الحديد / 21 .
( 5 ) . الرحمن / 24 .
( 6 ) . النمل / 88 .
( 7 ) . الأحزاب / 6 .
( 8 ) . آل عمران / 133 .