فائدة
قال ابن أبي الإصبع لم يقع في القرآن تشبيه شيئين بشيئين ولا أكثر من ذلك ، إنما وقع فيه تشبيه واحد بواحد .
فصل
زوج المجاز بالتشبيه فتولد بينهما الاستعارة . فهي مجاز علاقته المشابهة ، أو يقال في تعريفها : اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي . والأصح أنها مجاز لغوي لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه ولا لأعم منهما ، فأسد في قولك « رأيت أسدا يرمى » موضوع للسبع لا للشجاع ولا لمعنى أعم منهما كالحيوان الجريء مثلا ليكون إطلاقه عليهما حقيقة كإطلاق الحيوان عليهما .
وقيل مجاز عقلي بمعنى أن التصرف فيها في أمر عقلي لا لغوي ، لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به ، فكان استعمالها فيما وضعت له . فيكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده وليس نقل الاسم المجرد استعارة لأنه لا بلاغة فيه ، بدليل الأعلام المنقولة ، فلم يبق إلا أن يكون مجازا عقليا .
وقال بعضهم حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها ، إلى شيء لم يعرف بها وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجلي أو حصول المبالغة أو المجموع ، مثال إظهار الخفي
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ
« 1 » فإن حقيقته وإنه في أصل الكتاب فاستعير لفظ الأم للأصل لأن الأولاد تنشأ من الأم كما تنشأ الفروع من الأصول ، وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئيا فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان وذلك أبلغ في البيان .
ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جليا
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ
« 2 » فإن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة ، فاستعير للذل أولا « جانب » ثم للجانب « جناح » وتقدير الاستعارة القريبة واخفض لهما جانب الذل أي اخفض جانبك ذلا ، وحكمة الاستعارة
هامش
( 1 ) . الزخرف / 4 .
( 2 ) . الاسراء / 24 .