فصل في الواسطة بين الحقيقة والمجاز
قيل بها في ثلاثة أشياء : أحدها اللفظ قبل الاستعمال . وهذا القسم مفقود في القرآن ، ويمكن أن يكون منه أوائل السور على القول بأنها للإشارة إلى الحروف التي يتركب منها الكلام . ثانيها الإعلام . ثالثها اللفظ المستعمل في المشاكلة ، نحو
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
« 1 »
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
« 2 » ذكر بعضهم أنه واسطة بين الحقيقة والمجاز . قال لأنه لم يوضع لما استعمل فيه ، فليس حقيقة ، ولا علاقة معتبرة فليس مجازا ، كذا في شرح بديعية ابن جابر لرفيقه . قلت والذي يظهر أنها مجاز والعلاقة المصاحبة .
خاتمة
لهم مجاز المجاز وهو أن يجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر فيتجوز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينهما ، كقوله تعالى
وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا
« 3 » فإنه مجاز عن مجاز ، فإن الوطء تجوز عنه بالسر لكونه لا يقع غالبا إلا في السر وتجوز به عن العقد لأنه مسبب عنه ، فالمصحح للمجاز الأول الملازمة ، والثاني السببية ، والمعنى لا تواعدوهن عقد نكاح .
وكذا قوله
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ
« 4 » فإن قوله
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ *
« 5 » مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ ، والعلاقة السببية ، لأن توحيد اللسان مسبب عن توحيد الجنان والتعبير ب
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ *
عن الوحدانية من مجاز التعبير بالقول عن المقول فيه .
وجعل منه ابن السيد قوله
أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً
« 6 » فإن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس بل الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس .
هامش
( 1 ) . آل عمران / 54 .
( 2 ) . الشورى / 40 .
( 3 ) . البقرة / 235 .
( 4 ) . المائدة / 5 .
( 5 ) . الصافات / 35 .
( 6 ) . الأعراف / 26 .