وفي سورة القمر بدأ سرد القصة أن ثمود كذبت بالنذر ووصفوا النذير بالكذب واستبعدوا نزول الذكر عليه من دونهم وأن اللّه أرسل الناقة فتنة لهم وأن واحدا منهم تعاطى وعقرها فأرسل عليهم صيحة فغدوا كهشيم المحتظر .
ويعقّب الباحث أن الاختلاف في القصتين قوي وليس ثمة سبب لذلك إلا إختلاف المقاصد ومن ثم اختلاف البناء والتركيب . أي كما يؤدي التشابه في المقاصد إلى التشابه في البناء والتركيب . . . إلخ كذلك الاختلاف في البناء والتركيب . . . إلخ . إذن هي نظرية صحيحة أو رأي صحيح لا يتخلّف أثره في الحالين .
ويلفت المؤلّف إلى أن أجزاء أي قصة لا يمكن أن تعتبر كذلك إلا على أساس أن صاحب النص قد أراد هذا وأنه حين أنزله إنما أنزله على أنه جزء من قصة هذا النبي أو ذاك وهذا ما لم يقل به أحد فضلا عن أنه يخالف أسباب النزول .
ومن ثم يذهب خلف اللّه إلى أن هذه الأجزاء نزلت لا لتكملة قصة سابقة بل لتحقيق أغراض مغايرة مختلفة باختلاف الظروف والمناسبات . وسبب آخر هو التكرار الكثير الذي حظيت به بعض أقاصيص عدد من الأنبياء مثل لوط ، شعيب ، صالح وأن نمعن الفكر في مسألة توزيع أجزائها فسوف نتأكد على الفور أن الكلام لا يستقيم . . . لما ذا ؟
لأن الأحداث والأشخاص واحدة في ذات القصة فكيف يتأتّى توزيع الأجزاء ؟ إن ذلك لن يستقيم بحال من الأحوال . ويقرّر خلف اللّه اعتقاده بوجوب النظر إلى هذه الأقاصيص باعتبار أن كلا منها مستقلة وليست أجزاء يكمّل بعضها البعض ، فهي عرض أدبي للحادث تختلف ألوانه باختلاف أغراضه ويضرب مثلا لشخصية تاريخية تصاغ من أحداث حياتها قصص متعددة لكشف جوانب مختلفة فيها ، ويعدّها ظاهرة رقي فني قدّم القرآن مثلا منها صح معها التحدي لهذا التكرار الذي لم يفهم على وجهه .
وهكذا استطاع خلف اللّه أن يعلّل تعليلا علميا وفنيا هذه الظاهرة التي لم تفهم الفهم السديد ، وأضاف نقطة هامة لرصيد القرآن في الإعجاز - وكان حريا بمن ناوأ خلف اللّه أن يدرك ذلك الصنيع ويقدّره له حق قدره ويحمده عليه - كما أنه كشف من ناحية أخرى عن غيرة المؤلّف على القرآن وتنزيهه عن المطاعن بمنهج علمي رصين لا يخلو من قدر وفير من الأدب والفن .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 434
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٤٣٤