واللّه نفى الاختلاف عن القرآن وأنه لو كان من عند غيره لكان مليئا بالاختلاف .
وهنا قد يسأل سائل ألا يوجد الاختلاف الذي جاء في سوره بشأن الإخبار عن قصة واحدة فمرة قال موسى لأهله
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً
« 1 » وفي أخرى
سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
« 2 » وفي سورة القصص
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ
« 3 » . وفي موضع : أخبره أنه ربه وأمره بخلع نعليه وأنه بوادي طوى المقدس وسأله عما بيمينه وفي آخر . . .
فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها . . .
« 4 » ثم أعلمه أنه اللّه العزيز الحكيم وأمره بإلقاء عصاه . وفي القصص :
نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ
« 5 » وأخبره أنه اللّه رب العالمين وأمره بإلقاء العصا فلما رآها تهتز أجاب الخطيب الإسكافي في ( درة التنزيل ) هذا السائل بما يلي :
أن اللّه تعالى لم يخبر أن موسى خوطب باللغة العربية فإذا عدل عنها إلى غيرها مما يخالف معناها كان اختلافا في القرآن قادحا فيه بل معلوم أن الخطاب كان بغير هذه اللغة ويعقّب خلف اللّه أنه جواب غير مقنع لا يحل المشكلة ما دام الموقف واحدا والقصد هو الإخبار عن هذا الموقف . والحل في رأيه - وقد لمحه الخطيب الإسكافي - بأن هذا موقف وذاك آخر والاختلاف يرجع إلى القصد الذي تغياه القرآن من الصورة القصصية فقصة وردت للتسلية أو التسرية عن النبي عليه السلام وأخرى لغرض آخر والغرض الأدبي لحادث واحد من جوانب مختلفة يكشف عن موضع العبرة والعظة دون قصد إلى تقرير خبر بعينه فإذا اختلفت المقاصد تباينت الصورة المعبّرة عنها . والاتفاق في الشخصية لا يصح أن يطغى على بقية عناصرها من إختلاف في المقاصد والأغراض والصور والألفاظ والنسق
هامش
( 1 ) سورة طه ، الآية 10 .
( 2 ) سورة النمل ، الآية 7 .
( 3 ) سورة القصص ، الآية 29 .
( 4 ) سورة النمل ، الآية 8 .
( 5 ) سورة القصص ، الآية 30 .