ذلك المجتمع الذي كان معجونا بالأساطير فكان من المحتّم وقد ظهر القرآن فيه بأن تكون فيه أساطير حسبما ذهب إليه خلف اللّه .
ومن ثم فنحن لا نأخذ عليه القول بوجود أساطير في القرآن بل نؤيّده فيه وقدّمنا العلة لذلك تلك العلة التي غفل عنها أو أغفلها ( خلف اللّه ) . إنما الذي عارضناه فيه هو تقريره سبق القرآن في انضوائه على القصة الأسطورية وفي سبقه الآداب العالمية في جعل هذا اللون من القص من ألوان الأدب الرفيع وبيننا وبين المؤلّف تاريخ الآداب العالمية أو الأدب المقارن بيد أن الذي يغفر له هذه الكبوة هو العاطفة الدينية المشبوبة في جوانحه والتي لم يلتفت إليها الذين أثاروا تلك العاصفة الهوجاء عليه وعلى كتابه أو رسالته ( أطروحته ) .
ويختم الفصل الأول بقوله إنه قام بالتدليل على وجود الألوان الثلاثة من القصص الأدبي ثم يتحفّظ - شأن العلماء الذين يصرّحون أن ما يطرحونه مجرد رأي وليس هو الحقيقة المطلقة التي لا تقبل نقاشا أو جدلا - فيقول أو على احتمال الوجود وإجازته وكلها يثبت أن القصة في القرآن الكريم عمل أدبي وظّفه القرآن لتحقيق مقاصده وأغراضه .
الوحدة القصصية
وضع خلف اللّه عنوانا للفصل الثاني هو ( الوحدة القصصية ) ونظرا لسيطرة النزعة التاريخية على عقلية القدامى فإنهم عجزوا عن الاهتداء إليها إذ لم يفرّقوا بين عمل الأديب وعمل المؤرّخ ثم شرح الفرق أو الفروق الدقيقة بينهما وهذا ما أدى بهم إلى تفسير ظاهرة تلوين صورة الشخصية الواحدة طبقا لاختلاف المواقف وضرب مثلا لذلك في رسم صورة فرعون مرة في مسوح العابد وأخرى في عزة المعبود ، وعدم التفرقة بين الصنيعين جعلهم يعتقدون أنه لا شخصية قصصية في القرآن إلا الشخصية التاريخية .
في مضمار الحديث عن الوحدة القصصية يبدأ بتناول الأساس الذي يتعيّن أن نميّز به قصة عن أخرى ويضيف أن الأساس كان لدى من سبقه من الدارسين هو الشخصية التاريخية وإليه يعزى تسمية أقاصيص القرآن بأسماء المرسلين وغيرهم وكذا بالصفات التي أطلقها القرآن الكريم على الشخصيات مثل الذي مرّ على القرية الخاوية على عروشها