الأفضل ألا تضمّها رسالة جامعية أو كتاب علمي رصين فعدد من الشعوب عرفت الأساطير وضمّنتها آدابها الرفيعة ولعل أبرز مثل يرد على الذهن سريعا هو الإلياذة والأوديسة ولعل العاطفة الإيمانية لديه هي التي دفعته إلى تسطير هذا الرأي الفطير وقد ذكّرني صنيعه هذا بما يفعله البعض في هذه الأيام عندما يسمع عن اكتشاف علمي أو نظرية في الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة أو التعليم أو الإعلام أو الإسكان أو في أي فرع من فروع العلم التجريبي أو الإنساني فيبادر ويدّعي أن القرآن قد سبق ولا مانع من أن يتمحّل آية يؤكد بها زعمه المفضوح ولطالما سألناهم :
إذا كان الأمر كذلك وأن القرآن يحتوي على كل النظريات العلمية التجريبية والإنسانية والمعادلات التي تؤدي إلى الكشوف والاختراعات والتكنولوجيات بأنواعها فلما ذا لم يتوصل إليها المسلمون وانتظروا حتى اهتدى إليها الفرنجة الملعونون ثم ينسبونها إلى القرآن !
وقلنا لهم أن القرآن كتاب دين وهداية وأخلاق وقيم ومثل وكفى بذلك فخرا وشرفا له وأنه ليس كتاب علوم ( تجريبية ) وهندسة وطب واقتصاد واجتماع . . . إلخ . وأن نسبة هذه النظريات إليه يسيء إليه لأنها متطورة ومتغيرة في حين أن القرآن ثابت ومطلق . . . إلخ . وكيف في ميزان العقل والمنطق أن يحتوي القرآن على نظريات علمية تجريبية في حين أن المجتمع الذي انبثق منه لم يكن لديه أي علوم من أي نوع بل كل ما كان لديه مجرد معارف ساذجة أشد ما تكون السذاجة بسيطة أبلغ ما تكون البساطة .
ولما لم يذكره خلف اللّه في خصوصية انطواء القرآن على أساطير ، أن البيئة التي ظهر فيها كانت بيئة أساطير فهي تؤمن بالجن والعفاريت ووادي عبقر وأن لكل واد سيد من الجن يتعيّن أن يتعوّذ به من يريد أن يبيت فيه وبالغيلات والرّقي والتعاويذ والعين والحسد والسحر الأسود الذي يحمله الخصم لخصمه ليؤذيه ويضرّه ( تسميه العامة في مصر العمل وفي سيرة محمد أن يهوديا هو لبيد بن الأعصم سحره ودفن العمل في أحد الأبيار وأن السماء أرسلت ملاكا دلّ محمدا عليه فأخرجه منه وفكّ العمل وزال السحر وبطل كيد الساحر الملعون وعاد محمد إلى حالته الطبيعية أ . ه . ) ، وذلك وصف شديد الإيجاز لحالة
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 427
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٤٢٧