أن الغالبية العظمى من الباحثين تطلق على ( إلقاء المعرفة من الإله في نفس الرسول ) وحيا فإن خلف اللّه لم يفعل ذلك واختار التوصيف أو العبارة المذكورة والذي نراه أن التوفيق حالفه في ذلك من وراء الوحي بحسب الآية التي سطّرناها آنفا ضرب من ضروب الإلقاء في نفس الرسول
. . . إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا . . .
لأن ( أو ) تفيد المغايرة والاختلاف هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى فإن الوحي - بحسب نص القرآن - قد يأتي إلى بشر عادي مثل أم موسى أو حتى إلى غير البشر مثل النحل .
ويعود الباحث إلى الحديث عن الأرواح الخفية فيذهب إلى أنها كانت تختلط في ذهن العربي وآثارها تدل عليها فإن أتت بالخير فهي ملائكة وإن جاءت بالسوء والشر فهي شياطين والأخيرة هي التي كانت تنزل على محمد في زعم أهل مكة وهذه علة خروجه على الجماعة وسبه لآلهتهم . وسبق أن ذكر الباحث أن الشياطين كانت تسمع أخبار السماء ومنعت من أجل النبي عليه الصلاة والسلام . بيد أن هناك أمرين يلزم ذكرهما :
الأول : أن الشياطين منعت بعد بعث النبي ويرى مفسّرون أنها تمنع في حياة كل نبي وليس المنع من خصوصيات محمد .
الآخر ( الثاني ) : أن الرسول الذي يأتيه الوحي وتتنزل عليه الملائكة لا بد له من معجزة تدل على صدق رسالته وصحة نبوّته . وهنا نذكر ملحظا سريعا وهو أن خلف اللّه قرن بين الوحي وتنزل الملائكة مما يدل على أنه اعتبرهما شيئا واحدا فهل هذا يدل على رجوعه إلى رأي غالبية البحّاث من أن الإلقاء في نفس النبي هو الوحي الذي يشمل كافة الصور السابق ذكرها .
الشعب الذي يمن اللّه بفضل اختيار أحد أبنائه رسولا يعتقد بنفسه الفضل وأنه محل الرعاية والعناية وقد آمن الإسرائيليون بذلك وأشاعوه في جزيرة العرب وترك ذلك أثره في حياتهم في الجزيرة وفي حياة الإسلام ونبيه والقرآن حكى عنهم قولتهم أنهم أبناء اللّه وأحبّاؤه في معرض حربه عليها ( تلك العقيدة ) وقرّر في حسم أن الرسالة لا تخص شعبا بعينه ولا أمة مخصوصة واللّه صاحب الفضل العظيم يؤتيه من يشاء . ويخلص خلف اللّه إلى أن القرآن يجعل الرسالة ظاهرة دينية واجتماعية لا تختص بها أمة ولا شعب إلخ . ثم