قصر حديثه عن الصلات التي بموجبها يعرف العابد الأوامر والنواهي التي تؤدي بطريق الحتم واللزوم إلى مرضاته ليدفع النقم ويجلب النعم وييسّر العسير ، وقد تتّخذ صورا حسية بالغة الجلافة مثل إجالة الأقداح والاستقسام بالأزلام وهذا ما كان يفعله معاصرو محمد - ووسيلة أخرى تتّخذ صورة وسائطية أي غير مباشرة مثل اتصال الكهّان والعرّافين بالأرواح الخفية لكي تطلعهم على أخبار السماء وقد حارب القرآن هذا المسلك .
بيد أن أسمى طرائق الذي ينظّم علاقة العبد بالرب أو العابد بالمعبود هو اختيار واحد من البشر ليكون هو الرسول ، والباحث هنا لا يتناول بشرية الرسول من الوجهة الاجتماعية بل تلقّيه الدين ليوصله إلى الخلق ودعوتهم إلى الإيمان ، فاللّه يستأثر بعلم الغيب ولا يطلعه على أحد إلا من ارتضى من رسول وهو يصطفي الرسول ليطلع البشر على ما بلّغه اللّه إياه من غيب ويرسم لهم طريق المستقبل السعيد ، وإلقاء ذلك في نفس الرسول له طرق متنوعة مثل الرؤيا الصادقة وهذا ما حدث مع كل من إبراهيم ويوسف عليهما السلام فبالنسبة إلى الأول رؤيا إبراهيم ذبح ابنه أما يوسف فقد رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون له ونضيف أنه في سيرة محمد في بدي رسالته كان يرى الرؤيا الصادقة فتأتي كفلق الفجر .
وقد يأتي إلقاء المعرفة عن طريق التكلّم وقد حدث ذلك مع موسى
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
« 1 » أو يرسل إليه ملكا تمثّل في صورة البشر مثلما حدث مع مريم ومع إبراهيم . . . ونضيف أن هذه الهيئة كانت الغالبة مع محمد وكان جبريل يأتيه في العديد من المرات في صورة دحية الكلبي وهو صحابي كان يتمتع بقسامة ووسامة غير عادية حتى أنه كان يضع على وجهه قناعا خشية أن تفتتن به الأثربيات ويرى خلف اللّه أن طريقة إلقاء المعاني المرادة في ذهن الرسول وهي الطريقة الأخيرة حدثت مع كل الرسل ( هكذا بلا استثناء ) وأن القرآن قد جمع كل هذه الطرائق في قوله تعالى
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
« 2 » وإذ
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية 164 .
( 2 ) سورة الشورى ، الآية 51 .