موقف العداء فيعتب عليهم ذلك لأنهم لم يدركوا أن مقصده سام وهو إخراجهم من الظلمات إلى النور وأن هدفه الإصلاح ما استطاع . . . ويأتي خلف اللّه بالأمثلة على ذلك من سير الرسل كما نصّ عليها القرآن . هذا الموقف المتسامح الصادر من النبي حيال قومه بالضرورة يترك أثره على الجماعة نفسها فلا تعجّل بعقوبته وهي تعزو خروجه عما ألفته من عقيدة إلى أنه قد ألمّ به مس من الجنون أو أن آلهتهم التي جاء هو لإلغائها قد اعترته بسوء انتقاما وقد تعمد إلى سبيل آخر وهو الرجوع إلى رهطه وعشيرته تقديرا منها لهم . وألمع المؤلّف إلى ما جاء بالقرآن عند ذكره لقصة شعيب
وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ
« 1 » . ونضيف مثلا آخر من سيرة محمد وهو ذهاب بعض صناديد قريش إلى عمه وكافله وراعيه أبي طالب وكبير قريش آنذاك أن يكفّه عن التعرّض إلى آلهتهم .
إذن الصلة بين البطل والبيئة قد تكون سببا في نجاح الدعوة وقد تكون عقبة في سبيلها ومن هنا ينبع سر محاربة القرآن لها وإعلاء شأن العاطفة الدينية عليها وحث المسلمين على نبذ المودة القرابية إذا كانت على حساب الدين وضرب لهم إبراهيم مثلا في الأسوة الحسنة إذ تبرأ من أبيه وأقربائه الأدنين عندما خالفوه في العقيدة .
ويختم خلف اللّه هذه الفاصلة أو الفقرة ( نفس المؤمن لا تطيق المخالف ) . . . بقوله إن البطل ( المخالف ) لما يناله من أذى هو الطرف الضعيف فاقد الحول والقوة الذي لا يملك إلا الالتجاء لربه بالدعاء بالتمكين له ولأتباعه وبهلكة مناوئيه وأنه يلجأ إلى طريق أو وسيلة أخرى هي تهديدهم بالمصائب تنهال عليهم في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة ويضرب أمثلة مما جاء في القرآن تأييدا لوجهة نظره مثل إرسال الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم على آل فرعون . . . وما أصاب أقوام نوح وهود وصالح ولوط وشعيب . . .
ولكن البطل لا يظل ضعيفا بل يتكاثر حوله الأعوان والأنصار ويستشعر القوة فيبدأ في مواجهة المناوئين وإجبارهم قهرا على اتباع تعاليمه وهذا هو الذي نلحظه من موقف النبي العربي من المشركين . وفي تلك اللحظة يتحقق النصر للدعوة .
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية 91 .