الحقيقة المطلقة ومخالفه على الباطل فاليهود تعتقد أن النصارى ليست على شيء وقالت النصارى عنهم القالة نفسها وقوم نوح اعتقدوا فيه الضلالة وأكّد قوم شعيب على أن من يتبعه فهم الخاسرون وهكذا .
والإيمان بعقيدة يوحد مشاعر المؤمنين بها ويخلق بينهم نوعا من الترابط ويؤسّس عليها تقاليد وعادات تحرص عليها الجماعة الحرص كله وتعدّ الخروج على العقيدة والأعراف والتقاليد المنبثقة منها مروقا وفتنة . إنما المخالف للعقيدة قد يأتي بعقيدة جديدة وهذه هي حال الأنبياء فيصيبه الأذى الذي يبدأ بالسخرية والاستهزاء والتحقير والتهوين ثم الوعيد والتهديد مرة بالرجم وأخرى بالنفي والتغريب وثالثة بالتصفية الجسدية وفي عدد من الأحوال يتحول التهديد إلى دائرة التنفيذ مثل محاولة اغتيال صالح ورمي إبراهيم في النار والتآمر ضد محمد حتى اضطر إلى الهجرة إلى أثرب وكذلك أتباعه من المهاجرين وقتل زكريا ويحيى .
ويوحي هذا الناموس بأن الدعوات بهذه المثابة محكوم عليها بالإخفاق لأن المناوئين والمعارضين أقوى من الداعية الجديد وتبعه الذين وضح من ناموس سابق أنهم من الضعفاء والأراذل والفقراء بيد أن هناك عوامل تبطل مفعول هذا الناموس منها أن التمسّك بالقديم والتعصّب له عند مخالفيه بمضي الزمن يخفت أوارهما وتبرد نارهما ويضرب خلف اللّه مثلا من مسيرة الدعوة الإسلامية فالعقيدة أو الثقافة الوثنية تراخت مفاصلها ووهنت قبضتها وهزل سلطانها على النفوس ( بفعل اليهودية وغيرها فتهوّدوا وتنصّروا وتحنّفوا وتركوا عبادة الآباء والأجداد بل هفّت نفوسهم إلى الرسالة والكتاب ) . وثاني تلك العوامل أن هناك صلة ما تربط على الدوام بين الجديد والقديم من الأديان ومن ثم فلا يكون الأمل ( أعني الجديد ) غريبا على البيئة وأهلها وهو ما أكّده القرآن حينما ذكر أنه شرّع لمحمد ما وصّى به نوحا ومن جاء بعده من الأنبياء وأن الكتب يصدق بعضها البعض وأن القرآن ( الكتاب ) نزل بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه . . .
وآخر تلك العوامل صلة الرسول وقومه والبطل وأمته التي تجعل كلا منهما يستعذب الألم ويستمرئ العذاب ويستملح الأذى في سبيل هداية قومه الذين يقفون منه
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 389
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٣٨٩