بما يدعو إليه من أفكار ومبادئ ومثل وهي نظرية تجد معارضة شديدة فالفرد أي فرد - من المستحيل أو من العسير أن يتيسّر له ذلك إلا إذا كانت أبعاد عصره التاريخية وأحوال مجتمعه المادية والمعنوية وظروف بيئته التحتية والفوقية تعينه على ذلك ولا يتوفّق له ذلك ولا يكتب له النجاح إلا بتبديل الظروف المادية على وجه التخصيص ولنضرب لذلك مثلا من المسيحية فرغم سمو المبادئ التي نادى بها عيسى بن مريم فقد ظل المؤمنون بدعوته على هيئتهم رغم ثمانة الرأسمال الرمزي الذي كان بين أيديهم ولم تتبدّل أحوال المسيحيين والمسيحية إلا بعد اعتناق الأباطرة الرومان لها وانتقالها إلى مجتمعات وبيئات ذات أحوال مادية مختلفة تمام الاختلاف عن أحوال البيئة والمجتمع اللذين بشّر بها فيها ابن مريم .
ب - انقسام الجماعات :
ما إن يدعو رسول إلى عقيدته أو مصلح إلى دعوته حتى ينقسم الناس حياله إلى فرقتين : الذين هداهم اللّه فاتّبعوه والذين لم يهتدوا فعارضوه . ويقرّر القرآن أن هذا ناموس عام من النواميس الاجتماعية وأنه انطبق على أمم جميع الأنبياء ويطلق القرآن على المناوئين وصف
عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
« 1 » وأن ذلك حدث
لِكُلِّ نَبِيٍّ
« 2 » بل إن ناموس الفرقة والاختلاف ينطبق على الأسرة الواحدة وفي البيت الواحد وأمثلته : فرعون وزوجته ونوح وابنه وإبراهيم وأبوه .
ولتلك الفرقة أسباب منها الأحوال المعيشية فالأغنياء يشكّلون على الدوام حزب المعارضة وينفقون الأموال الجسمية في صد الناس عن الاستماع لداعي الإصلاح في حين أن الفقراء هم الذين يسارعون إلى الاستجابة للأنبياء ويقفون معهم ويشدّون أزرهم .
ويسمّي القرآن الفرقة الأولى : المستكبرين أو الملأ ويفسّره الراغب الأصفهاني في المفردات بأنهم الذين يملئون العين مهابة . ويطلق على الفرقة الأخرى : المستضعفين أو الأراذل وبداهة تتعارض توجّهات الفرقتين حتى تستعر بينهما الخصومة ويبلغ الصلف بالمستكبرين مداه حين يدّعون أن من أسباب رفضهم الانضواء تحت راية النبي هو انضمام
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية 31 .
( 2 ) نفس السورة والآية .