السماء . والملائكة وقد علموا أن الشياطين تسترق السمع مرة ومرات فلما ذا لم يكفّوا عن تداول الأخبار بينهم بالحديث ليفوّتوا على الشياطين غرضهم ؟ وما دام قذف الشياطين بالشهب كان لحماية النبوّة فلما ذا استمرّت الشهب بعد انتقال محمد للرفيق الأعلى راضيا مرضيا ؟
وأخيرا : ألم يكن من الأسهل منع الشياطين من الصعود إلى السماء أصلا بدلا من الانتظار حتى اقترابهم منها ثم رميهم بالشهب بعد ذلك . ويرى خلف اللّه أن القرآن قد اختار أن يحارب هذه العقيدة ( استراق السمع والرمي بالشهب ) بأسلوبه الخاص القائم على فكرة التدرّج كما حدث في محاربة الخمر كما أن القرآن يأخذ الناس بتصوّراتهم وأنه سلّم بهذه العقيدة ليهدمها بالتدريج .
ونحن لا نوافق المؤلّف في هذه الخصوصية ولا نسلّم بمسألة التدرّج وذلك لعدة أسباب منها أن منهج القرآن لم يكن الأصل فيه التدرّج وهناك عقائد كثيرة نهى عنها مرة واحدة وبحسم ومسألة الخمر تكاد تكون استثناء لا يقاس عليه . ومنها أن هذه العقيدة مرتبطة بعقيدة وجود الجن أو الاعتراف بوجوده فإذا كان الجن موجودا أصلا فإن صعوده لاستراق السمع فرع منه إذن ليس الأمر الأخذ بالتصوّرات والإيجاز والقول إن الإقرار بالجن أو بمعنى أدق الإيمان بوجوده أخذ بتصوّرات الناس وهذا ما لا يسلّم به أحد ، ومن ناحية أخرى لو كانت مسألة التدرّج صحيحة لانسحب التدرّج إلى فكرة الجن نفسها .
ولأن عقيدة الجن معترف بها في الديانتين الإبراهيميتين الساميتين ( اليهودية والمسيحية ) ونرجّح أنهما ورثتاه من الديانات السامية القديمة التي كانت مهيمنة على المنطقة قبل ظهورهما ثم جاء الإسلام وأقرّ عقيدة وجود الجن مع الوضع في الحسبان تمكّنها من عقيدة عرب الجزيرة وقت ظهور محمد . ولا ندري لما ذا ترك خلف اللّه في هذه الخصوصية فكرة التفسير الأدبي وتبنى فكرة الأخذ بتصوّرات أهل مكة والقول بها .
فالأقرب إلى المنطق أن يقول إن قصة استراق الشياطين للسمع وإحراقهم بالشهب الثواقب يمكن تفسيرها بأنها صورة أدبية معجبة لتصوير مناعة السماء وما فيها من غيوب وأن من يدفعه غروره من البشر لمحاولة اختراقها أو الاقتراب منها يحترق . . .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 383
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٣٨٣