لم يسبق أحد من المحدثين خلف اللّه في هذه الجرأة ولعله قد راعى أنها رسالة جامعية وأطروحة أكاديمية حرية البحث والتعبير فيها مكفولة . بيد أن مما يؤسف أن العاصفة التي واكبتها والزوابع التي قابلت كتابيّ طه حسين وعلي عبد الرازق أرعبت من جاء بعد ذلك من الباحثين وبذلك افتقدت جامعاتنا حرية البحث العلمي العمود الفقري لأي جامعة والتي بدونها لا يصح أن تسمّى جامعة . . . كما خسرت مصر باحثا واعدا ، كان ينتظر منه الكثير من العطاء الكثير العميق .
لأمر ما كان فإن لسورة الكهف مكانة خاصة عند المؤلف فهو بعد أن ذكر الظواهر التي أوجزناها بعالية فإنه يأخذ منها مثلين للتدليل على صحة هذه الظواهر التي كان له هو نفسه فضل اكتشافها أو التعرّف إليها :
المثل الأول : الفتية أصحاب الكهف فهو يرى أن القرآن أبهم عددهم وعدد السنين التي لبثوها وطلب من محمد أن يوكل ذلك كله إلى علم اللّه وحده . مع أن اللّه يعلم الأمرين : عدد الفتية وعدد السنين التي لبثوها ومكثوها . فلما ذا فعل ذلك ؟ أي لما ذا جاء العددان مبهمين ، مع أن هذه الواقعة إحدى ثلاث وقائع تحدّى بها أحبار يهود محمدا بعد لجوء صناديد قريش إليهم لمعرفة هل هو نبي يأتيه الوحي من السماء أو متنبّئ متقوّل ؟
في رأي المؤلّف أن الإبهام كان مقصودا لأن اليهود أنفسهم كانوا مختلفين في عدد الفتية وعدد سني اللبث فإذا جاء القرآن وقصّ هذا الاختلاف فإنه إنما جاء مطابقا لرأي اليهود وبحسب المقياس اليهودي السابق ذكره يكون محمد نبيا رسولا ( ولو ذكر القرآن العدد الحقيقي وأعرض عن أقوال اليهود لكان التكذيب القائم على أن محمدا لم يعرف عدد الفتية ، وليس هذا إلا أن الوحي لا ينزل عليه من السماء ) .
والمثل الآخر ( الثاني ) : قصة ذي القرنين وما جاء فيها عن غروب الشمس في عين حمئة لأن القرآن بذلك يكون قد صوّر مسموعات القوم لا مبصراتهم أي ما سمعوه عن هذا الأمر ، لا ما يشاهدونه كل يوم في الغروب ويميل الباحث إلى أن القرآن كان يقيم تشبيهاته واستعاراته كما كانت تقيّمها العرب ويورد تدليلا على ذلك ما جاء في بعض
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 381
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٣٨١