كتب المفسّرين مثل وصف طعام الجهنميين وشرابهم وتشبيه شجرة أصل الجحيم برءوس الشياطين لاعتقاد الناس المعاصرين لمحمد أن الشياطين ذوو خلقة مشوّهة بعكس الملائكة فهم أصحاب هيئات حسينة قسيمة . ولاعتقاد كفار قريش بمس الشيطان عند اختلاط عقل أحدهم فقد جاء القرآن وقال
لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
« 1 » عند النشور من القبور .
وهنا يتطرّق خلف اللّه لمسألة على قدر وفير من الخطر وهي اعتقاد الكفار أن محمدا من الكهان وأن الذي يطلعه على الغيب هم الشياطين وليس وحي السماء .
عندما تطالع كتب السيرة ( حصرا وتحديدا التراثية ) تجد أن محمدا كان ينفر أشد النفور من الكهّان والكهانة ويصرّح في بدي أمره أنه لم يكره شيئا قدر كرهه لهما . وعندما مرّ ب ( تجربة غار حراء ) وذهب إلى خديجة يرجف فؤاده وتهتز بوادره كان مما قاله إنه يخشى أن يكون ما حدث له ضرب من الكهانة فستنفي له ذلك الطاهرة أم هند ( زوجته ) وتؤكّد له أنه نبي هذه الأمة . فإذا جاء المشركون بعد ذلك وإثر إن صدع بدعوته وأدرجوه ضمن الكهّان الذين يتولى الشياطين إبلاغهم أنباء الغيب وأخبار السماء توافرت الدواعي لتبيين سخافة استراق الشياطين السمع ونقل ما يتيسّر من أخبار سماوية يتداولها الملائكة في ما بينهم أي نقلها إلى الكهّان الذين يتظاهرون بمعرفة الغيب ثم من البديهي أن تتضاعف الدوافع بعد أن أعلن محمد للملإ أنه نبي يوحى إليه من السماء بيد أن المفسّرين كانوا حتى ذاك الوقت يعتنقون مذهب فهم القرآن وتفسيره على الأساس التاريخي أو الواقع العملي توقّفوا مشدوهين أمام هذا الأمر . إذ كيف أن هؤلاء الجن الذين يفعلون ذلك ثم يتبعهم شهاب ثاقب يحرقهم لا يتّعظون بمن احترق منهم مرة أو عشر مرات فيكفّوا عن استراق السمع . وإذا كان الجن من نار فكيف تحرقهم الشهب وهي من نار إذ من المعلوم أن النار لا تحرق النار بل تزيدها اشتعالا وتوهّجا ؟
كما أن الفلاسفة فسّروا الشهب تفسيرا علميا وثبت أنها ليست مرسلة من
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 275 .