وإذا كان الأمر هو ما وصلنا إليه وكانت هذه العواطف والانفعالات تختلف في موطن عنها في آخر مهما تتحد المواد الأدبية وتتشابه الأقاصيص القرآنية فإن النتيجة الحتمية لكل هذا هي الاعتراف بأن القرآن الكريم كان يخرج بهذه الأحداث عن أن تكون معبّرة عن معانيها الأولى وهي المعاني التاريخية أو الإخبارية إلى المعاني الثانية وهي المعاني العاطفية أو الأدبية البلاغية أو الفنية وليس وراء ذلك إلا أن القرآن الكريم لم يقصد من أقاصيصه إلى التاريخ .
ويبقى من العملية الفنية أو من الصنيع البلاغي للقرآن في أقاصيصه أمر لا بد من الحديث عنه ذلك الأمر هو طبيعة هذه العناصر القصصية ومدى صلتها بالحقيقة والواقع .
فهل كان القرآن الكريم يستخدم هذه العناصر من أحداث وأشخاص على الصورة التي كانت تعرفها عليها العقلية العربية في زمن النبي عليه السلام أو كان يرجع بها إلى الصورة التي وقعت بها الأحداث وكان عليها الأشخاص في الزمن الذي وجد فيه الرسل ووقعت فيه الأحداث .
هل كان القرآن في حديثه عن أحداث الفراعنة مع اليهود مثلا واستخلاصه العظة والعبرة منها يعتمد على صورة فرعون في الذهن العربي أو كان يعتمد على تلك الصورة التي كانت في أزمان فرعون وموسى في أذهان اليهود والمصريين ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب منا بحث مسألة أخرى هي الأساس الذي كان يقيم عليه القرآن الكريم أسباب اختياره لهذه العناصر . فهل هو أساس المؤرخين الذي يقوم دائما على اختيار الحق والواقع وما يثبته العقل والمنطق ويقوم عليه الدليل والبرهان أو هو أساس البلاغيين الذي قد لا يعنيه الحق أو الواقع بقدر ما يعنيه أن تكون هذه العناصر مما يستهوي النفوس ويأخذ بمجامع القلوب ويسيطر على الأفئدة والألباب ؟
إن القدرة على التأثير هي الأساس الذي كان يلحظه القرآن دائما في نفوس المعاصرين للنبي عليه السلام حين يستمعون إلى القرآن أو ما يلقى عليهم من كلام . ثم إنهم الأساس الذي كان يعتمد عليه القرآن دائما حتى في غير القصص من آيات الموعظة والعبرة وآيات الهداية والإرشاد .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 269
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٢٦٩