كان هذا هو السبب في إنزال قصص سورة هود . وكان أسلوب القرآن في التثبيت هو الأسلوب الفني الذي يعمد إلى الإيحاء والإفاضة وليس ذلك إلا بعرض صور فنية تشبه هذا الموقف الذي يقفه نبي الإسلام عليه السلام . وكان أن اختار اللّه ما يحدث للرسل ليريه كيف مضت الأمور وكيف وقف هؤلاء الرسل مواقفهم التي تذكر لهم مع شدة حرصهم على هداية قومهم وشدة أسفهم على أن يقف منهم قومهم هذه المواقف .
وأظنك الآن قد فطنت إلى السبب الذي من أجله كانت العبارات هنا من العبارات التي تدل على قوة الصلة بين لوط وقومه فكانت العبارات
جاءَهُ قَوْمُهُ
قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
. . .
أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
.
إن هذه العبارات هي التي تحمل من المعاني الثانية ما يتلاءم وحالة النبي عليه السلام وقصد القرآن .
إن هذا الصنيع مؤلم لا سيما من قومه . وإن
أَطْهَرُ لَكُمْ
تدل على حرص لوط على إبعاد قومه عن الضلال بترغيبهم في بناته وترغيبهم عن ضيفه وإن
أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
لتدل على متانة هذه الصلة وعلى الحسرة والأسف أن يكون من قومه هذا الذي يحدث له ولضيفه . ولم يكن شيء من ذلك في قصة الحجر لأن قصص هذه السورة نزلت لتشفي قلب النبي عليه السلام بقص القصص التي تطلعه على ألوان العذاب التي تنزل بالمكذبين من أقوام الرسل عليهم السلام . ومن هنا قال
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
فكأن الأمر لا يعنيه وكأنه لن يحزن أو يأسف على ما ينزل بهم من عذاب . وكان
هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
فكأنه قد ضاق بهم إلى الحد الذي يجعله غير مهتم بهم من حيث الترغيب والتنفير ولم يكن في القصة
يا قَوْمِ
من أجل هذا كما لم يكن ذلك الاستفهام المؤلم
أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
.
إن هذه الألفاظ التي تدل على العطف والحنان والتي تدل على حرصه على هداية قومه لم ترد في القصة الثانية لأنها قصة العذاب .
وهكذا ترى أن المعاني الأدبية والفنية هي مقصود القرآن من القصص وهي الأمور التي يبحث عنها وهي الأمور التي تجعل الحادثة الواحدة تصوّر بصور مختلفة ويعبّر عنها بعبارات متفاوتة حسب الظروف والمناسبات .