تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
القرية سافلها ولتنجّي لوطا وأهله إلا امرأته . لكن استعمال القرآن للحادثة وتصويره لها في القصتين يباعد بين الصورتين حتى ليخيّل للإنسان أن هذه الحادثة غير تلك لا أن هذه الصورة غير تلك وذلك من جراء الزيادة والحذف أولا ثم من جراء العواطف والأحاسيس ثانيا . انظر في هذه المواد الواردة في القصتين فتجد في الأولى
وَجاءَهُ قَوْمُهُ
وفي الثانية
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
ونجد في الأولى
قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
وقال في الثانية
هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
فحذف الحديث عن الطهر وحذف المنادى وهو القوم . وقال في الأولى
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
، وقال في الثانية
إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ
من غير سؤالهم ذلك السؤال الذي يدل على الضيق بهم والأسى والأسف أن وقفوا منه هذا الموقف وهو قوله
أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
. إن الحادثة كما قلت واحدة فلما ذا اختلفت الصور واختلفت التعبيرات الفنية والأدبية ؟ الإجابة سهلة يسيرة لو جرينا على القاعدة التي نجري عليها في الدرس وهي الإعراض عن المعاني الأولى والبحث عن المعاني الثانية . إن القرآن هنا لا يقص ليعلم التاريخ أو يملي أخبارا وإنما يقص لأمور أخرى هذه الأمور هي التي تلعب دورها في تصوير الحادثة أو المادة القصصية كما تلعب دورها في فن بناء القصة وأسلوب عرضها . ما الغرض من قصص سورة هود ؟ لقد ذكرنا هذا الغرض سابقا ولا بأس من أن نعيده هنا وهو تثبيت قلب النبي عليه السلام كما حدّث القرآن في ختام السورة
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
« 1 » وكان هذا التثبيت مخافة عدم المضي في الدعوة الإسلامية كما حدث القرآن في مبدأ السورة
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا . . .
« 2 » إلخ .
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية 120 . ( 2 ) نفس السورة ، الآية 12 .