لأن القصة لا تفهم على أساس فهم المعاني الأولى التي تعبّر عنها الألفاظ والأحداث والأشخاص أو بعبارة أخرى على أساس الفهم الجزئي وإنما تفهم القصة كما يفهم كل عمل أدبي وكل أداة للتعبير أو التأثير وهذه الطريقة في الفهم هي التي أشرنا إليها في التمهيد حين فرّقنا بين نوعين من الفهم فهم حرفي يقوم على الوقوف على المعاني الأولى للألفاظ والأحداث والأشخاص . وفهم أدبي يقوم على الوقوف على ما في النص من قيم عاطفية وفنية أو باصطلاح القدماء الوقوف على المعاني الثانية بما تسمح له الدراسة الأدبية من تفسير وتوضيح .
لنعد الآن إلى القصتين لنرى الفروق بين المقصدين في كل من سورتي الحجر والأعراف ولنعلّل بذلك سر الاختلاف بين موقفي إبليس في القصتين .
إن القصة في سورة الأعراف إنما جاءت لتقص مبدأ العداوة بين إبليس وآدم ولتصل من ذلك إلى نتيجة أدبية هي ما قصد إليه القرآن من جميع قصص سورة الأعراف وهو أن يدفع المشركين إلى تعديل موقفهم من النبي عليه السلام ومن هنا كان قوله تعالى في ختام هذه الأقاصيص
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ * وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ
« 1 » .
كما قال في ختام قصة إبليس وآدم
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
« 2 » .
أما القصة في سورة الحجر فقد قصت هذه العداوة وهي تقصد إلى شيء آخر هو أن تذهب عن نفس النبي عليه السلام الهم والقلق الذي يساوره من أجل الدعوة وعدم
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآيات 175 - 177 .
( 2 ) نفس السورة ، الآيتان 26 - 27 .