القرآن الكريم وجعله عنصرا من عناصر الدين الإسلامي ومن ذلك توريث البنات وجعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين وتحريم الخمر والسكر والأزلام وغيرها من أمور ذكرها صاحب كتاب المحبّر في فصل عنوانه « من حكم في الجاهلية حكما فوافق حكم الإسلام .
ومن صنع صنيعا في الجاهلية فجعله اللّه سنّة في الإسلام » « 1 » .
إن علينا أن نبحث مصادر القصص القرآني كما بحث الأصوليون مصادر التشريع .
بل نحن هنا أولى بالرعاية ذلك لأنهم يبحثون عن مصادر العناصر الدينية وهي عناصر لا تتأتى معرفتها لما فيها من غيبية إلا من طريق الرسل والأنبياء . ونحن إنما نبحث عن مصادر العناصر القصصية وهي عناصر من الوقائع البشرية التي يمكن معرفتها والوقوف عليها من غير طريق الرسل والأنبياء . وإن علينا أن نضع بين يدي الرجعيين والجامدين ومن على شاكلتهم هذه الآية الكريمة التي تشير في صراحة إلى أن القرآن الكريم كان يرد بعض تشبيهاته وأمثاله إلى مصادرها الأولى أو إلى التوراة والإنجيل :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
« 2 » . وإن علينا أن ننشد الحقيقة الدينية وأن نضع بين أيدي الناس نظرية سليمة تقوم أول ما تقوم على ملاحظة الظواهر المختلفة الموجودة في القصص القرآني وتفسيرها تفسيرا صحيحا وهي نظرية تحل جميع المشكلات التي وقف عندها المفسّرون وتخرج بالقصص القرآني من دائرة التشابه وترد جميع اعتراضات المستشرقين والمبشّرين ، أما ما على قومنا فهو أن يفهموا رأينا ومذهبنا ، وأن يعرفوا الحق للحق ، وأن يعلموا أن الدين الإسلامي يفتح أمام العقل الطريق وينير له السبيل ويمكّنه من أن يضرب في التقدّم الفكري بسهم وافر ، إن علينا ما تقدّم وإن على قومنا ما تأخر فإن أبوا إلا المضي في العناد وإلا دعاء الأمة الإسلامية إلى ذلك القول الذي كان يقوله الجاهليون من قبل
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ
هامش
( 1 ) المحبر ، لأبي محمد بن المتوفى سنة 245 ، ص 236 - 243 ، ط حيدرآباد سنة 1261 .
( 2 ) سورة الفتح ، الآية 29 .