فيتمشدقون ويقولون : أليس القصص القرآني بعض القرآن ؟ وأليس القرآن قد نزل من عند اللّه ؟ وإذن فكيف نبيح لإنسان مهما يكن حظه من العلم والمعرفة ، ومهما يكن قدره من العلو والرفعة أن يبحث عن مصادر ما أنزل اللّه ؟ إنها الفتنة فدعوها نائمة ولعن اللّه من أيقظها .
أما الخطورة الثانية فتتمثل في أقوال المستشرقين والمبشّرين وتدور حول مصادر القصص القرآني . وهؤلاء المبشّرون يحتفلون للحديث عن هذه المصادر أكثر من احتفالهم لأية مسألة أخرى من مسائل القرآن وسر هذا الاحتفال أن هذه المسألة هي الباب الذي ينفذون منه إلى الموازنة بين ما جاء في القرآن الكريم من أحداث وأخبار وما جاء منها في التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب التاريخ والأخبار .
والمستشرقون والمبشّرون في موازناتهم ينتهون حتما إلى القول بأن في القرآن مخالفات تاريخية وأن هذه المخالفات هي الدليل على أنه من عند محمد ، لأنه لو كان من عند اللّه لتنزّه عن هذه المخالفات ولما كان فيه منها كثيرا أو قليل . وهم يعللون هذه المخالفات بقولهم لأقوامهم : إن محمدا كان يتعلم هذه الأخبار من العبيد والأرقاء ، أولئك الأعاجم الذين كانوا يخدمون السادة من قريش والذين أشار القرآن إلى واحد منهم حين قال
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
« 1 » . وهؤلاء ما كانوا يعرفون من التاريخ الديني للرسل والأنبياء إلا شائعات .
ذلك لأنهم بحكم رقهم أو بحكم فقرهم ما كانوا يستطيعون الحصول على نسخ من الإنجيل والتوراة وكتب الأخبار ، فلم تكن المطبعة قد وجدت بعد ، ولم تكن النسخ المخطوطة من الكثرة بحيث تقع في أيدي هؤلاء . لقد كانت نادرة ، وكان الحصول عليها يتوقف على مقدار ما يدفع في سبيلها من نقد ومن هنا كانت وقفا على الأغنياء « 2 » . ومن هنا أيضا كانت معارف الفقراء ومعارف العبيد والأرقاء وقفا على الشائعات وليس يخفى
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية 103 .
( 2 ) راجع هنري سمث ، الكتاب المقدّس والإسلام ، ص 60 - 97 . وراجع ريتشارد بل ، مصادر الإسلام ، ص 104 - 105 .