تَغْلِبُونَ
« 1 » عمدنا إلى الصبر والدفاع عن الحقيقة الدينية واللّه يرعانا بفضله لأنه القائل :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
« 2 » .
والخطورة الثانية لا تلبث أن تزول حين نبيّن للناس حقيقة ما أنزل اللّه وحين نؤكد للمبشّرين والمستشرقين أنهم أقاموا موازناتهم على أساس لم يقصد إليه القرآن الكريم ولم يجعله غرضا من أغراضه وأنه حين ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه قد تحكّموا في الوسائل وفي النتائج العلمية لأن المخالفات التاريخية على فرض وجودها لا يمكن أن تكون الدليل على أن القرآن من عند محمد لم يجئه به الوحي ولم ينزل عليه من السماء .
إن موازنات المستشرقين والمبشّرين بين ما جاء في القصص القرآني من أخبار وما جاء منها في التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأخبار والتاريخ يجب ألا تتم ويجب ألا تكون حتى يثبت قطعا أن القرآن الكريم قد قصد من عرض هذه الأخبار معانيها التاريخية وأنه اختار ما اختار من الأشخاص والأحداث والحوار على أساس أن هذا هو الحق وأنه الذي يتمشى مع المنطق التاريخي . أما إذا كان قصد القرآن من قصصه ليس نشر الوثائق التاريخية وليس تعليم التاريخ فإن صنيع المستشرقين والمبشّرين يصبح لا قيمة له ولا خطر منه .
والمسألة الأولى من مسائل هذا الفصل هي أن القرآن الكريم في قصصه لم يسلك مسلك التوراة فلم يقص أخبار الأنبياء والمرسلين كما قصّت هي وإنما اختار بعضهم ليقص قصصهم وأعرض عن الباقي
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
« 3 » وهو حين اختار لم يعمد إلى أخبار هؤلاء جميعها وإنما اختار من هذه الأخبار ما يتفق وحالة الدعوة الإسلامية وموقف النبي من قومه ومن هنا لم يكن ذلك التفصيل الموجود في التوراة . ثم إن القرآن الكريم لم يعمد إلى الزمن فيجعله العامل الأساسي في ترتيب هذه القصص كما عمدت التوراة . إن كل ذلك إنما يدل على الفارق الأكبر بين قصص القرآن الكريم وبين قصص التوراة وهو أنها قد قصدت إلى التاريخ أما هو فلم يقصد
هامش
( 1 ) سورة فصلت ، الآية 26 .
( 2 ) سورة غافر ، الآيتان 51 - 52 .
( 3 ) سورة النساء ، الآية 164 .