تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
إلا إلى العظة والعبرة وإلى البشارة والإنذار وإلى الهداية والإرشاد وإلى شرح مبادئ الدعوة الإسلامية والرد على المعارضة وإلى تثبيت قلب النبي عليه السلام ومن اتّبعه وزلزلة نفوس المشركين والكفرة وإلى غير ذلك من مقاصد وأغراض ليس منها التاريخ على كل حال . والمسألة الثانية هي أن هؤلاء الذين اختارهم القرآن الكريم ليقص قصصهم لم يكونوا جميعا من البيئة العربية وإنما كانت الكثرة الكاثرة منهم من غيرها ، من بلاد المصريين والعبريين والسبئيين ومن بلاد اليونان والرومان وأقاموا فيها وأرسلوا إلى أهلها ووقعت أحداثهم في هذه البلاد وجرى الحوار فيما بينهم وبين من أرسلوا إليهم بلغات هذه الأقاليم بل جرى الحوار أحيانا بلغات قد لا نعرفها وقد لا يستطيع عقلنا القاصر أن يتصوّرها وإلا فبأي لغة تحدّث الخالق جلّ وعلا إلى كل من الملائكة وإبليس في قصة خلق آدم وبأي لغة تحدّث إبليس إلى آدم في قصة الخروج من الجنة . إنها الأمور التي لا نعرف منها إلا الفروض الخياليّة « 1 » . هذه الكثرة الكاثرة من الرسل والأنبياء عليهم السلام من أمثال آدم ونوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وسليمان وداود ويوسف وموسى وأيوب ويونس والياس وغيرهم لم يكونوا مجهولين في بيئاتهم الأولى وإنما كانوا معروفين تعرف كلا منهم بيئته وتقص أخباره على بنيها وتنقل هذه الأخبار إلى الأمم المجاورة ونعتقد أن ليس هناك من يدّعي أن الذي قد حدث غير هذا وأن هذه الأمور من المسائل التي استأثر اللّه بعلمها وأنها من الغيب الذي لا يعرفه إلا من يطلعه اللّه عليه لأن هذا القول مما يخالف طبائع الأشياء . كانت هذه الأشياء من الأمور المعروفة في بيئات الرسل عليهم السلام وفي البيئات التي انتقلت إليها هذه الأخبار . والذي نريده الآن هو الوقوف على الصلة التي كانت قائمة بين هذه الأقاصيص وبين البيئة العربية عامة والمكية بصفة خاصة قبل البعثة المحمدية وقبل نزول القرآن فهل كانت البيئة تعرف من أمر هؤلاء الرسل شيئا أو كانت تجهل من أمرهم كل شيء ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال من الخطورة بمكان ذلك لأنها التي ستحدد لنا المسائل التالية :
هامش
( 1 ) راجع المستصفى ، للغزالي ، ج 1 ، ص 328 - 329 .