إنّا نؤمن بالحقيقة الأدبية كما نؤمن بالحقيقة العقلية ونعرف الصدق الفني كما نعرف الصدق العقلي وإذا كان الثاني هو مطابقة القول للواقع فإن الأول هو الصدق في تصوير ما يخلقه الوجدان أو يخترعه الخيال ، هو الصدق في الترجمة عما بالنفس من رأي أو فكرة أو عاطفة أو إحساس . وإذا كان لا بد من قول قديم نستند إليه فهو مطابقة القول للاعتقاد .
إن هذه المسألة مسألة الصدق الفني لا تمس التمثيل وحده وإنما تمس غيره من أمور بلاغية أو بيانية كالمبالغة والغلو والإغراق ويعجبني في هذا الموقف رأي لابن قتيبة ذكره في كتاب الأشربة وأعتقد أنه يحل إلى حد ما هذا الإشكال . قال رحمه اللّه « وقال لنا إسحاق عيب وكيع بقوله هو أحل من الماء لأنه إن كان حلالا وهو بمنزلة الماء فكيف جعله أحل منه ونحن نقول إنه ليس يلحق وكيعا في هذا الموضع عيب ولا يرجع عليه منه عتب لأن كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم في الوصف واستقصائهم بالمدح والذم . يقولون هو أشهر من الصبح وأسرع من البرق وأبعد من النجم وليس ذلك بكذب لأن السامع له يعرف مذهب القائل فيه وكلهم متواطئون عليه كذلك قوله هو أحل من الماء يريد المبالغة في وصفه بالتحليل » « 1 » .
وواضح أنه يريد أن يقول إذا كان هناك مذهب أدبي أو بلاغي تجري عليه اللغة في التعبير عن العواطف والأفكار وكان هذا المذهب لا يعنى بمطابقة لحق فإن للأديب الحق في أن يجري على هذا المذهب وليس للقارئ أو السامع عليه اعتراض ما دام قد عرف مذهبه في هذا ولا يستطيع أن يجعل صنيعه هذا من باب الكذب بحال من الأحوال .
ونعتقد أن هذا يوضح أمورا كثيرة ويجعلنا نقول بوجود القياس الشعري والتعبير عن الصور التي يخلقها الذهن أو الخيال في القرآن وفي كلام الأنبياء .
لنعد الآن إلى التمثيل وإلى القصة التمثيلية في القرآن .
وهنا أحب أن أصرّح بأني لا أقصد إلى القول بأن كل المواد القصصية في القصص التمثيلي القرآني وليدة الخيال ذلك لأن بعضها قد يكون وليد الأحداث الواقعية وذلك هو الواضح من قصة الملكين السابقة وما فيها من أحداث من تاريخ داود عليه السلام .
هامش
( 1 ) كتاب الأشربة ، ص 54 .