تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وهنا أمر آخر لا بد من توضيحه هو أن الحاجة إلى الخيال في القصص القرآني أو في التمثيل القرآني لم تأت لحاجة المولى سبحانه وتعالى إلى الخيال في التعبير عن المراد . وحاشا للّه أن يحتاج إلى الخيال . وإنما جاءت لحاجة البشرية لهذا الخيال ولأن ذلك هو الأسلوب الذي تجري عليه في التعبير عن الأحاسيس والأفكار . يقول صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 1 » ما يلي : « وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم من ذلك قولهم لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوى العوج وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات وتصوّر مقاولة الشحم محال ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحة كما أن العجف مما يقبح حسنه فصوّر أثر السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع وهي به آنس وله أقبل وعلى حقيقته أوقف وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها » . فإن قلت قد علم وجه التمثيل في قولهم الذي لا يثبت على رأي واحد أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى لأنه مثلت حاله في تميله وترجّحه بين الرأيين وتركه المضي على أحدهما بحال من يتردّد في ذهابه فلا يجمع رجليه وليس كذلك ما في هذه الآية فإن عرض الأمانة على الجماد وإبائه وإشفاقه بحال في نفسه غير مستقيم فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال وما مثال هذا إلا أن تشبهه شيئا والمشبّه به غير معقول . قلت الممثّل به في الآية وفي قولهم لو قيل للشحم أين تذهب وفي نظائره مفروض والمفروضات تتخيّل في الذهن كما المحققات . مثلث حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها « 2 » . إذ يلفت الزمخشري ذهننا إلى أن التمثيل هنا قد جاء لأنه الأسلوب العربي ولأن
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية 72 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص .