القرآن ما جاء إلا على طرقهم وأساليبهم . كما يلفت ذهننا إلى أن التمثيل يكون بالصور المفروضة التي تتخيل في الذهن أي بالصور التي يخترعها الخيال وأن لهذه الصور قوتها التي قد تكون أوقع في الذهن وآكد في النفس من الصور التي تمثل الحقيقة .
وجاء في الكشاف أيضا عند تفسيره لقوله تعالى
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
« 1 » ما يلي : والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز وكذلك حكم ما يروى أن جبريل جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا أبا القاسم إن اللّه يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ثم يهزّهن فيقول أنّا الملك فضحك رسول اللّه صلعم تعجّبا مما قال ثم قرأ تصديقا له
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
« 2 » الآية . وإنما ضحك أفصح العرب وتعجّب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصوير إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة وأن الأفعال العظام التي تتحيّر فيها الأفهام والأذهان ولا تكتنهها الأوهام هينة عليه هو أنّا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخيّل ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا أرق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام اللّه تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء فإن أكثره وغلبته تخييلات قد زلّت فيها الأقدام قديما وما أتى الزلوان إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدّروه حق قدره لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه إذ لا يحل عقدها الموربة ولا يفك قيودها المكربة إلا هو وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، الآية 67 .
( 2 ) سورة الأنعام ، الآية 91 وسورة الحج ، الآية 74 وسورة الزمر ، الآية 67 .