النفس فكلهم يعترف بذلك حتى من يخشى منهم أن يكون التمثيل في قصة الملكين كذبا .
جاء في النيسابوري ما يلي : ونحن نرى أن الإنسان يذكر معنى فلا يلوح كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتّضح وانكشف وذلك أن من طبع الخيال حب المحاكاة فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال وإذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال ولا شك أن الثاني يكون أكمل . وإذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح وجب ذكره في الكتاب الذي أنزل تبيانا لكل شيء « 1 » .
لا يرجع سر الاختلاف إذا إلى التمثيل من حيث هو تمثيل ولا إلى قوته وأثره النفسي في العاطفة والوجدان وإنما يرجع إلى نظرية الأقدمين في الصدق والكذب وإلى إيمانهم بمنطق العقل وحده وإهمالهم لما عداه حتى المنطق الأدبي منطق العاطفة والوجدان .
إن سر الاختلاف يرجع إلى أن بعضهم لا يعرف إلا الصدق العقلي وهو مطابقة القول للواقع وينكر أو ينسى ما عداه . ومن هنا رأى في المعاني التي تجيء في صورة التمثيل نوعا من الكذب لا يليق بالملائكة . أما البعض الآخر فقد وفّق إلى الحقيقة الأدبية واقترب من رأي المحدثين في الصدق الفني ومن هنا لم ينظروا إلى المسألة هذه النظرة القاصرة ولم يذهبوا إلى أن التمثيل كذب ومضوا على أنه تصوير للمسائل وفرض لها والتصوير للمسائل والفرض لها لا يعتبر من الكذب ومن هنا لم ير هؤلاء في صنيع الملائكة شيئا من الكذب في قليل أو كثير ومن هنا أصابوا التوفيق .
إن الأقدمين قد لمسوا الحقيقة الفنية أو الأدبية حين عرفوا الصدق في كتب البلاغة وحين اختلفوا في هذا التعريف ولقد أضرّوا بالدراسة الأدبية حين وقفوا عند الصدق المنطقي ورجّحوا التعريف القائل بأن الصدق مطابقة القول للواقع ذلك لأنهم بهذا التعريف قد دفعوا غيرهم من المفسّرين ورجال الدين إلى إنكار وجود القياس الشعري والحقيقة الفنية في كل من القرآن الكريم وفي كلام الأنبياء .
هامش
( 1 ) غرائب القرآن ، ج 1 ، ص 195 .