تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧

1209 - [ استطراد لغوي ]

وقال الآخر [ 1 ] : [ من الكامل ]
والمرء لم يغضب لمطلب أنفه * أو عرسه لكريهة لم يغضب
ومطلب أنفه : فرج أمّه ؛ لأنّ الولد إذا تمّت أيّامه في الرّحم ، قلا [ 2 ] مكانه وكرهه ، وضاق به موضعه ، فطلب بأنفه موضع المخرج ممّا هو فيه من الكرب ، حتّى يصير أنفه ورأسه على فم الرّحم ، تلقاء فم المخرج . فالأناء [ 3 ] والمكان يرفعانه في تلك الجهة ، والولد يلتمس تلك الجهة بأنفه ، ولولا أنّه يطلب الهواء من ذاته ، ويكره مكانه من ذاته ، ثمّ خرج إلى عالم آخر خلاف عالمه الذي ربّي فيه ، لمات ؛ كما يموت السّمك إذا فارقه الماء . ولكنّ الماء لمّا كان قابلا لطباع السمك غاذيا لها ، والسّمك مريدا له ، كان في مفارقته له عطبه . وكان في مفارقة الولد لجوف البطن واغتذائه فضلات الدّم ، ما لا ينقص شيئا من طباعه وطباع المكان الذي كان له مرّة مسكنا . فلذلك قال الشّاعر الجاهلي [ 4 ] : [ من الكامل ]
والمرء لم يغضب لمطلب أنفه * أو عرسه لكريهة لم يغضب
يقول : متى لم يحم فرج أمّه وامرأته ، فليس ممّن يغضب من شيء يؤول إليه .

1210 - [ قول المتكلّمين في صمم الأخرس ]

وزعم المتكلّمون أنّ الأخرس أصمّ ، وأنّه لم يؤت من العجز عن المنطق لشيء في لسانه ، ولكنّه إنّما أتي في ذلك ؛ لأنّه حين لم يسمع صوتا قطّ ، مؤلّفا أو غير مؤلّف ، لم يعرف كيفيّته فيقصد إليه . وأنّ جميع الصّمّ ليس فيهم مصمت [ 5 ] ، وإنما يتفاوتون في الشّدّة واللّين ؛ فبعضهم يسمع الهدّة والصّاعقة ، ونهيق الحمار إذا كان قريبا منه ، والرّعد الشّديد ، لا يسمع غير ذلك . ومنهم من يسمع السّرار ، وإذا رفعت له الصّوت لم يسمع . ومتى كلّمته وقرّت الشّكاية في أذنه ، فهم عنك كلّ الفهم . وإن
هامش
[ 1 ] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج ( أنف ) ، والتهذيب 1 / 68 . [ 2 ] قلا : كره وأبغض . [ 3 ] الأناء : آن الشيء : حان . [ 4 ] تقدم البيت في بداية هذه الفقرة . [ 5 ] مصمت : تام الصمم .