خيرات الأرض وبركاتها ، ومنهم من يساعد المحتاجين ، ومنهم من يتكفّل عبء النبوّة ، ومنهم من يعمّر الأرض ، ومنهم من يفعل غير ذلك . وأمّا من يعمل ما يخالف مقتضى الخلافة فهذا عصيان منه للعهد ، وخيانة منه للأمانة ، وهذا لا يعني أنّه لم يكن جزءا مما هو بمجموعه خليفة للّه وهي الإنسانية ، وإنّما يعني عصيان الخليفة لأمر المستخلف وعدم قيامه بوظائف الاستخلاف ، فلتكن الآية في المقام أيضا من هذا القبيل ، أي أنّ القيام بالقسط يكون من شأن الإنسانية ككل ، وكلّ يعمل وفق حصّته من القسط ، ولا يعرف من ذلك أنّ الحكم العادل حصّة من ؟
وأمّا إذا قلنا : إن المقصود بقوله تعالى :
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
هو إقامة الحكم العادل ولو بقرينة قوله بعد ذلك :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
فالآية دلّت على أنّه يجب على الناس بمجموعهم إقامة الحكم العادل ، ولكن هذا لا يدلّ على ما يريده المستدل من أنّ الحكم حقّ للناس يقلّدونه من يشاءون ، وذلك لأنّ الآية إنّما هي بصدد بيان أن تنفيذ الحكم العادل على الناس ، وهذا واضح الصحة ، لأنّ اللّه تعالى لا يأتي هو للتنفيذ مباشرة بل التنفيذ الخارجي على الناس وحتى لو قلنا بولاية النبيّ أو الإمام فالذين ينفّذون هذه الولاية خارجا هم الناس ، ولهذا حينما عصوا ولم ينفّذوا ولاية عليّ عليه السّلام أصبح جليس البيت .
والخلاصة : أنّ تنفيذ الناس للحكم لا يدلّ على أنّ حقّ الحكم كان بيدهم ، فلعل حقّ الحكم قد أعطاه اللّه للنبيّ ، ولكن التنفيذ على أيّ حال يكون بيد الناس ، وعلى أكتافهم ، فلو أجمعوا على مخالفة الأوامر الولائية للنبيّ أو الإمام