على نفسه ، ولا يمكن ردعه عن ذلك إلّا بالإجبار الذي يبعده عن أجواء الزلّة والخطأ ، وربّما يؤدّي ذلك بالتدريج إلى اتّخاذه طريق الرشاد بالرغبة والشوق .
الوجه الثالث : أنّ القرآن قد حصر وظيفة الرسل في الإبلاغ
ونفى عنهم - كرسل - أيّ وظيفة أخرى كوظيفة الحكم والسياسة . قال اللّه تعالى :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ *
« 1 » وقال أيضا :
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
« 2 » وقال كذلك :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
« 3 » .
أقول : إنّ فهم الآيات - حتّى لو افترضنا قطع النظر عن سنّة العترة الطاهرة - يتوقّف في أقلّ تقدير على ضمّ الآيات بعضها إلى بعض ، فإنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا ، فلا معنى لتفسير هذه الآيات المباركات بمعزل عن آيات أخرى كقوله عزّ وجلّ :
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
« 4 » فهذه الآية لوحدها صريحة في أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم وليّ على المؤمنين بمعنى لا يبقي مجالا لنفوذ رأي الأكثرية عليه في الأمور لأنّه أولى من أنفسهم بهم . ولو كان المفروض أن يستمدّ شرعية حكمهم وإدارتهم منهم لكانوا أولى بأنفسهم منه صلى اللّه عليه وسلم ولم يكن هو
أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
.
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 99 . وكذلك سورة العنكبوت ، الآية : 18 بإضافة كلمة : المبين .
( 2 ) سورة الغاشية ، الآيتان : 21 و 22 .
( 3 ) سورة ق ، الآية : 45 .
( 4 ) سورة الأحزاب ، الآية : 6 .