إنّ جهاد وعطاء علماء الشيعة في التاريخ المعاصر ليؤكّد على عظيم المسؤوليات التي نهضوا بها وتحمّلوا أعباءها في خضمّ التحولات الكبيرة التي طرأت على مجتمعاتنا الإسلاميّة خصوصا بعد بروز الظاهرة الاستعماريّة وما نجم عنها من تداعيات كثيرة على صعيد الجغرافيّة السياسيّة ، وقضايا المجتمع ، وعلى صعيد الوعي والالتزام .
وكان باكورة جهادهم مقاومة الاستعمار والتغريب وبلورة الموقف الإسلامي الخالص من خلال تغلغلهم التربوي والثقافي في الأوساط الشعبيّة والذي أتاح لهم تأسيس الظاهرة السياسيّة التي لم تكن قد تبلورت في أشكال اجتماعيّة ملموسة رغم وجود النشاط السياسي النخبوي ، والذي ما انفكّ يقلّل من شأن العلماء المجاهدين ويقدح في وطنيتهم ونضالاتهم ، ويطرح البدائل النخبويّة لإزاحتهم من ساحة الفعل التاريخي ، وصولا إلى تحطيم الأرضيّة التي أقاموها والتي تحوّلت بمرور السنين إلى برنامج عمل واضح انتج في نهاية المطاف الكيان المؤسسي الإسلامي متمثّلا في الدولة الإسلاميّة ، وفي بلورة النظريّة السياسيّة الإسلاميّة المعاصرة .
لقد كان ولم يزل أمام الفقهاء مهمات واسعة وخطيرة ، ولعل أبرز تلك المهمات كسر طوق الجمود الفكري والفقهي الذي نجم عن الأوضاع التاريخية وموروث التجارب السابقة ، والاستجابة لمتطلبات العصر وتوسيع نطاق التنظير الفقهي / السياسي في مجالات الفراغ الأخرى ، فقد أمست الظاهرة الاسلامية وجودا حضاريا تجاوز حدود المسألة السياسية ، بل وتجاوز جميع العقبات
المرجعية والقيادة — صفحة 23
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٣