تقريراته .
حكم العقل : وحكمه وجوب ارتكاب اقلّ القبيحين ، سواء قلنا ببقائه على قبحه أو بزواله من باب غلبة الآخر عليه على القولين ، من كون قبح القبيح العقلي ذاتيّا أو بالوجوه والاعتبارات .
ولا يخفى انّ القبح العقلي امر ذاتىّ ، والذّاتىّ لا يسلب عنه والشيء لا ينقلب عما هو عليه ، فيكون ارتكاب اقلّ المحذورين لأجل اقتضاء الضرورة ، والبحث المشبع في ذلك في محلّه من مسئلة التجرّى الّذي قلنا في العلم الثاني من الأصول وهي الحجّة انّه معصية ولمّا كان الارتكاب محرزا يختار العقل اقلّه وهذا حكمه ، فما عن بعض الاعلام من انّ ترك الكذب لو لم يضرّ بحال من توجه إليه الخسارة الماليّة لكونه مثريا ، فلا يستقل العقل بجوازه ، فغير وجيه لعدم تحقّق الضّرورة في حقّه والكلام فيها فكلام الشيخ قدس سرّه مستقيم .
وامّا الآية : فقوله تعالى شأنه :
( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ )
. « 1 »
لا يخفى ان الكره هي المشقّة وعدم المحبوبيّة وهي تنال الانسان من خارج ، والاكراه عبارة عن حمل الانسان على ما يكره ولا يحبّه وقوله تعالى
( وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ )
، نهى عن حملهنّ على ما فيه كره أو كره . وقوله تعالى
( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ )
معناه عبارة عن عدم التحميل ، إذ الدّين ومحتويّاته أمور تقبله الفطرة الانسانيّة ويدركها بالشعور الخالص ولذا قال اللّه تعالى
( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ )
وهو في مقام التعليل لعدم التحميل ، لا ما قيل من انّ
( لا إِكْراهَ )
كان في ابتداء الاسلام ، أو ما قيل من انّ ذلك في أهل الكتاب مع الالتزام بالجزية وشرائطها يتركون .
هامش
( 1 ) النحل آية 106 .