واحتمل بعض ان مراد القائل بالملكة أيضا هو اعتبار الاستمرار في الإتيان بالواجبات وترك المحرمات لا ان العدالة هي ملكة كسائر الملكات فيرتفع النزاع فتأمل نعم لا تقدح في صدق الاستقامة مع الاستمرار عليها ارتكاب المعصية في بعض الأوقات لغلبة القوة الشهوية أو الغضبية مع الندامة بعد الارتكاب فإنه حين المعصية وان كان منحرفا الّا انه مع التوبة يرجع إلى الاستقامة .
إذ الشيطان كما يمس غير العادل قد يمس العادل قال الله تعالى في سورة الأعراف في وصف المتقين
إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
.
وبالجملة لا يعتبر في العدالة الاستقامة الدائمية بحيث لا يصدر الحرام من المكلف في أول بلوغه إلى آخر عمره والّا انحصر العدالة في الأوحدي من المكلفين ولزم تعطيل الأحكام التي كانت العدالة موضوعا لها وهذا مما لم يلتزم به أحد .
استدل لما نسب إلى المشهور من اعتبار الملكة في العدالة بوجوه ثلاثة :
الأول - ان الشك في اعتبار الملكة في العدالة وعدمه مرجعه إلى الشك في سعة مفهوم العدالة وضيقه
وإذا تردد المفهوم بين السعة والضيق لزم الأخذ بالمقدار المتيقن منه في ترتب الآثار عليه ، وهو المضيق واما الموسع فالأصل عدم ترتب الآثار عليه إذا شك في ترتبها عليه فنفوذ القضاء والشهادة وجواز الايتمام في صلاة الجماعة وغيرها من آثار العدالة مترتبة على الإتيان بالواجبات وترك المحرمات إذا كانت الملكة باعثة عليهما والأصل عدم ترتب الآثار إذا لم تكن الملكة داعية إليهما .
وفيه أولا انه ظهر مما تقدم تبين مفهوم العدالة وهو الاستقامة العملية في جادة الشرع بداعي الخوف عن العقاب أو الرجاء من الثواب وهي بهذا المعنى أخذت موضوعا للأحكام الشرعية ، فلا إجمال في مفهومها حتى يتردد بين السعة والضيق فيجب الأخذ بالمقدار المتيقن وهو المضيق فيكون مفهومها موسعا فإذا شك في تقييده بالملكة فيدفع احتمال التقييد بها بالأصل .
وثانيا انما يتم ذلك في ترتب الآثار المأخوذة فيها العدالة موضوعا لها بالقرينة المتصلة كما في الشاهد في قوله تعالى في سورة الطلاق
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
.