أقول : الظاهر من مفهوم الخبرين هو بطلان كِلْتا الجمعتين في دون ثلاثة أميال وذلك لأنّ قوله عليه السّلام « فلا بأس » لم يرد على الجمعتين حتّى يكون مفهومه البأس عند انعقاد الجمعتين ، بل ورد على كلِّ واحد من الجمعتين ، لأنّ حرف العطف في قوّة تكرار العامل ، فيصير المعنى حينئذٍ : أنّه إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس بأن يجمع هؤلاء ، ولا بأس بأن يجمع هؤلاء . فأنت كما ترى يكون مفهومه أنّه : إذا لم يكن كذلك فبأس بأن يجمع هؤلاء ، وبأسٌ بأن يجمع هؤلاء . وعلى هذا لا يحتاج في الحُكم ببطلان كلتيهما إلى هذه التطويلات ، ولا فرق في بطلانهما بين أن يكون كلٌّ من الجماعتين جاهلين بالجمعة الأخرى ، أو عالمين ، أو إحدى الجماعتين عالمين دون الأخرى لأنّ البُعد شرط واقعي فعند عدم حصوله تبطل الصلاة ، كما هو الأمر في سائر الشرائط الواقعيّة .
وتوهّم انصراف النصّ إلى اشتراط العِلم بالبُعد حتّى يصحّ الجمعتين عند جهل مصلّيهما أو إحديها عند جهل مصلّيها بلا وجه ، لعدم المقتضي لذلك بَعْد كونه مسوقاً لبيان حُكم وضعي . وأمّا في صورة سبق إحديهما على الأخرى فكذلك تبطل كِلتَا الجمعتين ، لأنّك قد عرفت أنّ الظاهر من الخبرين بطلان جمعتين في محلّ واحد لا خصوص الجمعة المتأخِّرة ، فيستفاد من إطلاقهما البطلان حتّى في صورة السبق . « 1 »
وربّما يتوهّم صحّة الجمعة السابقة ، لأنّه حين انعقدت انعقدت صحيحةً ولم يكن مانع عن صحّتها ، وأمّا المتأخِّرة فتكون فاسدة لاختلال شرطها ولا يمكن أن
هامش
( 1 ) - وفيه منع واضح لقيام المتقدّم بما هو وظيفته وتكليفه ، وعصيان المتأخِّر ، هذا كلّه في صورة عدم النصب ، وأمّا معه فلا معنى لهذه الفروع . ( منه عُفي عن جرائمه )