جميع الأمور المَعَاديّة والمعاشيّة ، وبالتأمّل يُعرَف أنّ مداخلة رئيس كلِّ قومٍ في بعض أمورهم ليس لأجل اشتراط إيجاد هذه الأمور بوجوده بل لأجل أنّه أعرف بالصّلاح والفَساد وإيجاد الأمور على وجه أحسن ، ولذلك ترى أنّ أهل القبيلة يراجعون إلى زعمائهم في طرق مكاسبهم ومعالجة مرضاهم ودَفن جنائزهم والدفاع عن خصمائهم مع أنّه لا ريب أنّه إذا فقدت زعماءهم لا يُهملون هذه الأمور بل يتصدّونها بأنفسهم على ما أدّت إليه آراؤهم .
وبعبارة أخرى أنّ من الأمور اموراً ممّا لابدّ من إيقاعها غاية الأمر يكون إيجادها بنظر شخصٍ خاصٍّ أكمل وأحسن فإذا كان هذا الشخص موجوداً فالعقل يحكم بوجوب الرُّجوع إليه ، كما أنّه إذا كان لهذا الشخص سلطنة واقتدار يجب عليه المداخلة والنظر في إجراء هذه الأمور ، وإذا لم يكن موجوداً أو كان مسلوبَ السلطنة لم يكن لرَفع اليد عن أصل إيجادها موقع « 1 »
هامش
( 1 ) - أقول : إنّ لصلاة الجمعة شرائطَ وخواصّاً لم تكن لغيرها من الأحكام فهي متفرّدةٌ بإحكام اجتماعيّة خاصّة وبهذه الملاحظة لابدّ وأن تكون من خصائص الإمام أو نائبه ، فمن الآثار المختصّة بها لزوم عقدها في مكان واجد جماعة ليس بينها وبين جمعة أخرى أقلَّ من بُعد فرسخٍ ولزوم الإتيان والذّهاب إليها من بعد فرسخين إذا لم يُعقد في رأس الفرسخ جمعةٌ أخرى فحينئذٍ يلزم أن يحضرها الجماعة الموجودون في مساحة أربعة فراسخٍ طولًا وعرضاً ، أي في مساحة ستّة عشر فرسخاً مربّعاً ، وإذا حسبنا كلَّ فرسخ على مقدار خمسة كيلومترات ونصف كيلومتر تصير المسافة على حدّ أربعمِائة وأربعة وثمانين كيلومتراً مربّعاً ، فهذه الجمعة بهذه الابّهة العظيمة الّتي لا يجوز أن يشذّ عنها لا عالم ولا جاهل ولا غني ولا فقير ولا فقيه ولا عامّي ولا حاكم ولا محكوم ، لا يمكن أن يعقدها رجلٌ مؤمنٌ عادلٌ عامي كان بصفة إمام الجماعة ولا يعقل أن يجب أن يأتمّ بهذا الرّجل الفقهاءُ والعلماءُ وأهلُ الخبرة في الدّين والسياسة ، بل لابدّ وأن يقيمها الحاكم المطاع الّذي يقبله أهل البلد ويأتمرون بأوامره وينتهون عن نواهيه ولابدّ للحاكم أن يكون مُطاعاً باسطَ اليد يمكن له أن يُذكّرهم بمصالح أمورهم وما يجري عليهم من الحوادث وأن يرغّبهم ويخوّفهم ويعظهم .
وبالجملة هذه الخواصّ تُفرّد الجمعة عن سائر الأحكام وتخصّصها بالحاكم العدل يقيناً ، فعلى المسلمين أن يحضروا بهذه الجمعة وجوباً ، ولكن لا تصحّ إلّا بوجود هذا الحاكم المطاع وفي حال عدم قدرة الحاكم عن إجراء الحدود والأحكام وإقامة الجمعة على وجهها لم يسقط تكليفهم بهذه العبادة ويكونون عاصين بترك الواجب ، فعليهم القيام والنهوض لإيجاد الحكومة الشرعيّة العادلة وتمكين حاكمهم من الخطبة على وجهها كي يدور الرّحى على قطبه ( منه عُفي عنه ( . * 19 / ج 1 / 1399
* - هذه المواصفات لصلاة الجمعة كلّها صحيحةٌ مضبوطة إلّا أنّ القيام بهذه الصلاة يختصّ بالمدن والبلاد العظيمة كما بيّناه وأمّا بالنّسبة إلى القُرى أو سائر الاجتماعات ولو في غير القرية مثلا لو سافر سبعة نفرات إلى بلاد الكفر والشرك فيلزمهم إقامة صلاة الجمعة لو كان لواحدٍ منهم قابليّة الإقامة والإمامة فلا تحتاج إلى هذه الشروط والمواصفات . ( منه عُفي عن جرائمه )