يقال من هذه الجهة إنّه لا يعتبر فيه قصد القربة بل يكفي الإتيان بصورة العمل عنه ، لكن التحقيق ( 1 ) أن أخذ الأجرة داع لداعي القربة كما في صلاة الحاجة وصلاة الاستسقاء
شرح
( 1 ) - بل التحقيق أنّ قصد التقرّب يعتبر فيه بما أنّه فعل المنوب عنه بحسب الاعتبار الذي أمضاه الشرع ، والقرب قربه لا قرب النائب ، والمقصود منه قصد امتثال أمر المنوب عنه ليسقط عنه ويترتّب عليه مثوبته ، وهذا معنى القربة في الأوامر النيابيّة ، سواء كان الداعي للنائب في نيابته التي هي فعله القربة أيضاً ، أو العلاقة بالمنوب عنه ، أو استحقاق الأجرة ، فالأمر بها توصّلي لا يعتبر فيه القربة ؛ وما ذكره المصنّف من الوجهين مبنيّان على اعتبار القربة في النائب ، مع أنّ أمر الصلاة لم يتوجّه إليه ، بل إلى المنوب عنه .
ثمّ إنّ هنا أموراً ينبغي الإشارة إليها :
الأول : إنَّ قياس المقام على المثالين مع الفارق ؛ إذ الملاك في العباديّة الانتهاء إلى اللَّه تعالى ، وفي المثالين يكون المطر والحاجة مطلوبين منه تعالى والطلب منه عبادة نظير طلب الجنة والنجاة من النار ، وهذا بخلاف استحقاق الأُجرة من المستأجر .
الثاني : إنّ الداعي على الداعي ، إنَّما يتصوّر فيما إذا كان هنا أُمور مترتّبة بحسب الطبع ، فينقدح في النفس من قصد المعلول الأخير قصد علّته وهكذا ، وهذا لا يجري في المقام على مشي المصنّف ؛ إذ لو فرض توقّف استحقاق الأُجرة على الصلاة الصحيحة وتوقّف الصلاة الصحيحة على قصد القربة كان اللازم منه أن يتولّد من قصد الأُجرة قصد الصلاة الصحيحة ومن قصد الصلاة الصحيحة قصد قصد القربة ، مع أنّ القصد لا يتعلّق به قصد ؛ فتأمّل .
الثالث : يمكن ادراج المقام على مشينا في الداعي على الداعي ، بتقريب أنّ استحقاق الأُجرة متوقّف على امتثال أمر المنوب عنه ، وامتثال أمره متوقّف على أن يؤتى عنه بكلّ ما وقع تحت أمره بما أنَّه مأمور به ، فينقدح في نفس الفاعل إرادات متعاقبة حسب ترتّب المرادات ؛ فتأمّل .