وأمّا ثانياً : فبأنّه لا إطلاق هناك يقتضي رفع اليد عن ظهور قوله : « وإنِ ادّعى ولا بيّنة فلا حقّ له » « 1 » مطلقاً حتّى في صورة عدم دعوى العلم على الوارث .
أمّا العمومات الأوّلية الدالّة على عدم تخلّص المنكر إلّا باليمين ، فَلِما قد عرفت من أنّها ظاهرة في اليمين على البتّ ، فاليمين على نفي العلم خارجة عنها . وما دلّ على تنزيلها منزلة اليمين على البتّ لا إطلاق فيه ، فيؤخذ باطلاق قوله : « فلا حقّ له » في صورة عدم دعوى المدّعي علم الوارث ، فتأمّل .
ثالثها : ما ذكره دام ظلّه لا للاتّكال عليه مستقلّاً ، بل إنّما ذكره تأييداً للوجهين الأوّلين ،
من أنّ الحكمة في أصل جعل اليمين مع كون الأصل للمنكر هو تشفّي المدّعي بيمينه وحصول فائدة وغرض له ، ومن المعلوم أنّ التشفّي حاصل للمدّعي في صورة جهله بعلم المدّعى عليه ، كما إذا ادّعى العلم عليه ، غاية الأمر التفاوت بينهما في الجملة . وهل ترى أن يكون الوجه عندهم في الحكم بسقوط اليمين في صورة اعتراف المدّعي بعدم علمه الّذي هو قضيّة إطباق كلمتهم دليلًا تعبّدياً وصل إليهم يقضي بما ذكر ، حاشاك ثمَّ حاشاك ، بل لا ترى الوجه عندهم إلّا لزوم لغويّة اليمين في الصورة المفروضة وعدم ترتّب نفع له باليمين . فلا يجري فيه أدلّة اليمين أيضاً ، مثل قوله : « من حَلَف لكم باللَّه فصدِّقوه » « 2 » حيث إنّ المفروض تصديق المدّعي للحالف والأمر بالحاصل محال .
وبالجملة ، ليس الأمر في صورة اعتراف المدّعي بجهل المدّعى عليه الّتي تقول بتوجّه اليمين فيها عليه ويقول الأكثر بعدم توجّهها إليه ، إلّا كالأمر في دعوى التهمة والظنون الّتي حكموا فيها بتوجّه اليمين إلى المدّعى عليه في كون كلّ منهما مبنيّاً على ترتّب نفع للمدّعي ، وهو حصول التشفّي له على تقدير كذب المدّعى عليه في الحلف .
هامش
( 1 ) في موثّقة عبد الرحمن المذكورة .
( 2 ) كتاب من لا يحضره الفقيه : 3 / 62 وفيه : « من حلف لكم باللَّه على حقّ فصدّقوه » .