ثالثها : إطلاق ما دلّ على القضاء على الغائب من الأخبار المتقدّمة منها : رواية هند زوجة أبي سفيان « 1 » ، بناءً على ما نُقل من [ عدم ] حضوره في بلدة مكّة .
ومنها : لزوم الضرر كثيراً ما ، لو لم يحكم عليه ، وهو منفيّ بأدلّة الضرر « 2 » .
وأيضاً يلزم منه إبطال الحقوق فيجب حفظها بتجويز القضاء .
هذا مجمل ما يتمسّك به للمشهور . وأنت خبير بضعفه وعدم نهوضه للدلالة على المدّعى .
أمّا إطلاقات ما دلّ من الأخبار على الحكم بالقسط والعدل ، وبالبيّنات والايمان ، فبأنّه لا إطلاق فيها ينفع المقام ؛ لأنّها واردة في مقام بيان القضيّة المهملة وتشريع القضاء والحكم في الجملة على شروطه المقرّرة في الشريعة حسبما مرّت الإشارة إليه غير مرّة . فكما أنّ ما دلّ من الإجماع والأخبار على اشتراط العدالة في البيّنة وغيرها من الشروط لا يُعدّ معارضاً ومقيّداً لهذه الأخبار ، بل مبيّناً لما أهمل فيها ، كذلك القول باشتراط القضاء بالبيّنة في الغائب عن مجلس القضاء بالسؤال عنه ليس منافياً لها .
والحاصل : أنّ تلك الأخبار واردةٌ في مقام بيان القضاء بالبيّنة وأمثالها في الجملة ، وفي مورد ثبوت جواز القضاء فيه من الخارج ، وليست في مقام بيان أنّ في أيّ مورد يجوز القضاء بها ، وفي أيّ مورد لا يجوز .
وما ذكرنا ليس بمخفيّ على الأصاغر بعد البحث عن القضيّة فضلًا عن الأكابر والأعاظم . بل لنا أنْ نقول : إنّ عمومات القضاء والحكم بين النّاس غيرُ شاملةٍ للقضاء على الغائب أصلًا حتّى في الغائب الّذي انعقد الإجماع على جواز الحكم عليه ؛ لأنّ ظاهرها القضاء والفصل المنجَّز الغير المراعى ، وهذا غير جارٍ في الغائب .
هامش
( 1 ) السنن الكبرى : 10 / 141 .
( 2 ) راجع الكافي : 5 / 292 ( باب الضرار ) .