قد عرفت من دلالة غيرها من الأدلّة وأنّه لا إشكال في المسألة في الجملة .
إنّما الإشكال في شرائط ذَكَرها الأصحاب أو بعضهم يرجع بعضها إلى الدعوى ، وبعضها إلى المدّعي ، وبعضها إلى المدّعَى عليه ، وبعضها إلى المدّعَى به . فنقول :
إنّ الكلام في المسألة يقع في مواضع :
الأوّل في الدعوى . الثاني في المدّعي . والثالث في المدّعَى عليه . والرابع في المدّعَى به . وقبل الخوض في التكلّم في المواضع الأربعة لا بدّ من التكلّم في أنّ القضاء على الغائب هل هو موافق للأصل الثانوي المستفاد من الإطلاقات الواردة في باب القضاء من الآيات والأخبار ، أو لا ؟ فنقول : إنّه قد يقال بل قيل كما عن جماعة بكونه موافقاً له ، لشمولها للغائب كشمولها للحاضر . ولكنّ التحقيق الّذي عليه بعض المحقّقين ، كونُه مخالفاً له لعدم إطلاق فيها ينفع المقام كما سيجيء الإشارة إليه في طيّ المسألة . مضافاً إلى ظهورها في القضاء والفصل المنجّز الغير الموجود في الغائب ؛ لأنّ الفصل فيه يكون مراعىً كما لا يخفى . فاحفظ هذا لعلّه ينفعك فيما بعد إن شاء اللَّه . فلنرجع إلى التكلّم في أصل المسألة .
فنقول :
أمّا الكلام في الموضع الأوّل : [ في الدعوى . ]
فقد ذكر الفاضل في بعض كتبه أنّه يشترط في سماع الدعوى على الغائب أنْ تكون معلومةً ، وإن قيل بسماع الدعوى المجهولة على الحاضر . والوجه في هذا الاشتراط حسبما ذكره الأُستاد العلّامة دام ظلّه هو : أن سماع الدعوى إنّما يكون في موضعٍ أمكن الحكم فيه عادةً بحصول الموازين الشرعيّة وترتّبَ على سماعها فائدة وهذا في الحاضر ممكنٌ عندهم حسبما عرفت سابقاً من تعليلهم سماع الدعوى باحتمال الإقرار من المدّعَى عليه ، أو إنكار منه مع حلفه ، أو ردّه اليمين على المدّعي أو غيرهما من القواعد ومعلومٌ أنّ هذا غير ممكنٍ في الغائب .
أمّا الحكم بالبيّنة فلِما قد عرفت مِن عدم دليل على سماعها في الحاضر أيضاً