صبيب ، ولقلبه وجيب ، شديدة أسباله ، ترتعد من خوف اللّه تعالى أوصاله ، قد عظمت فيما عند اللّه رغبته ، واشتدّت منه رهبته ، راضيا بالكفاف من أمره وان أحسن طول عمره ، يظهر دون ما يكتم ، ويكتفي بأقلّ ممّا يعلم ، أولئك ودائع اللّه في بلاده ، المدفوع بهم عن عباده ، لو أقسم أحدهم على اللّه تعالى لأبرّه ، أو دعا على أحد نصره ، اللّه يسمع إذا ناجاه ، ويستجيب له إذا دعاه ، جعل اللّه العاقبة للتقوى ، والجنّة لأهلها مأوى ، دعاؤهم فيها أحسن الدعاء ( سبحانك اللهم ) دعاؤهم المولى على ما آتاهم ( وآخر دعواهم أن الحمد للّه ربّ العالمين ) » « 1 » .
* بيان
« كركب » شبّههم أوّلا في نفسه بمن مضى من أمثالهم ، ثمّ شبّه من مضى من أمثالهم بالركب الذين وصفهم بما وصفهم إلى قوله : « فجدّوا » ثمّ انتقل من وصف الركب إلى وصف من مضى ، أعني من وصف المشبّه به إلى وصف المشبّه ، فقال :
« وركنوا إلى الدنيا » تنبيها على التشبيه الأوّل الذي كان في نفسه « عرّسوا » من التعريس : وهو النزول في آخر الليل للاستراحة « ثمّ استقلّوا » ذهبوا وارتحلوا « فغدوا وراحوا » أي جاءوا وذهبوا ، والنزوع عن الشيء : الانتهاء عنه « والجدّ » بالكسر : العجلة « بكظمهم » أي مخرج أنفاسهم ، وجفّ الأقلام : كناية عن عدم التغيير والتبديل وامتناع التلافي « والظعن » ضدّ الإقامة « والأين » الإعياء ، وفي بعض النسخ : أنّي ، والأنّي : الوهن « دءوب » بالفتح : مبالغة من الدوب بالضمّ ، وهو التعب « تتنضّل فيكم مناياه » ترمى إليكم اختباراته وبلاياه ، كأنّه جعل المنايا أشخاصا تتناضل بالسهام ، فمن الناس من يموت قتلا ، ومنهم من يموت غرقا ، ومنهم من يتردّى في بئر ، أو يسقط عليه حائط ، أو يموت على فراشه « تنكّب ذنبه » عدل عنه « قدعها » بالقاف والمهملتين : كفّها ، والعزوف عن الشيء : الزهد فيه والانصراف عنه والملال منه « والسّأمة » الملال « والكدح » السعي « والجوى » حرقة القلب « والوقر » بالكسر : الحمل الثقيل « والوجيب » اضطراب القلب « والإسبال » إرسال الدمع « والأوصال » المفاصل ، أو مجمع العظام ، والإقسام على الغير : أن يقول له : واللّه لتفعلنّ كذا « وإبراؤه » إمضاؤه على الصدق .
هامش
( 1 ) . الكافي 8 : 171 / 193 .