وقد اتخذ عثمان مقصورة على مصلاه في المسجد وكانت صغيرة من لبن وفيها كوّة ينظر الناس منها إلى الإمام ثم جعلها عمر بن عبد العزيز من ساج ثم جدّدها المهدى من ساج أيضا ونزل بأرضها إلى أرض المسجد وكانت مرتفعة عن سطحه نحو ذراعين ، ثم جدّد الوليد بن عبد الملك المسجد على يد عامله على المدينة الإمام العادل عمر بن عبد العزيز وابتدأ ذلك التجديد في سنة 88 ه . وانتهى منه في سنة 91 ه .
وقد زاد في المسجد من جهة الغرب - ولم يزد بعد في هذه الجهة شئ كبير - والشمال والشرق فأدخل في المسجد حجر أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم التي كانت جنوبي المسجد وشماليه بعد أن هدم بناءها وكانت أبوابها شارعة في المسجد ، واقتطع أيضا جزءا من حجرة عائشة أدخله في المسجد وذلك من جهة الروضة وأقام على الحجرة ذلك البناء الخماسى الذي تسدل عليه الكسوة اليوم ، ولم يجعله مربعا عدولا به سنن الكعبة حتى لا يتخذه الناس قبلة ، وقد بنى المسجد بالحجارة المطابقة والقصة وجعل عمد المسجد من حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص ، ونقش حيطانه بالفسيفساء والمرمر وعمل سقفه من الساج وحلاه بماء الذهب ونقش رؤوس الأساطين والأعتاب بالذهب ، ولما حج الوليد وقدم إلى المدينة بعد فراغ عمر من عمارة المسجد أخذ ينظر في جدره وسقفه ونقوشه وجميل شكله حتى إذا تم النظر التفت إلى أبان بن عثمان وقال أين بناؤنا من بنائكم ؟ قال أبان : بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس .
ثم زاد المهدى العباسي في المسجد من جهة الشمال وعلى زيادته استقرّ المسجد من هذه الجهة وكان بدء البناء سنة 161 ه . والفراغ منه سنة 165 ه . وفي ليلة الجمعة أوّل رمضان سنة 654 ه . أحترق المسجد من شعلة تركها موقد المصابيح فالتهمت ما حولها ثم امتدّت إلى المسجد جميعه ولم يبق منه إلا قبة كانت بصحن المسجد أقامها الناصر لدين اللّه سنة 576 ه . لتحفظ بها ذخائر المسجد وكان فيها وقت الحريق المصحف العثماني وأشياء أخرى ، وقد حاول أهل المدينة إطفاء هذا الحريق فغلبهم وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، وقد كتب إلى الخليفة المستعصم باللّه عبد اللّه ابن المنتصر باللّه بذلك الحريق فأرسل الصناع والآلات في موسم الحج وبدأ تجديد .
مرآة الحرمين — صفحة 463
مساهمون: ابراهيم رفعت باشا
ص٤٦٣