فسألاه عن ذلك فقال : هو هذا وفي ذلك - يعنى مسجد قباء - خير كثير ، وقدّمنا أيضا الجمع بأن كلا من المسجدين أسس على التقوى من أوّل يوم تأسيسه وأنهما المراد من الآية ، وان السر في اقتصاره صلى اللّه عليه وسلم على ذكر مسجد المدينة دفع توهم اختصاص ذلك بمسجد قباء اه .
وروى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله تعالى
( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً )
هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا فقال لهم أبو عامر ابنوا مسجدكم واستعدّوا بما استطعتم من قوّة فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتى بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه ، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا :
إنا فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلى فيه وتدعو بالبركة فأنزل اللّه عز وجل :
( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً )
- الخ وهذا المسجد لا أثر له الآن بل دثر من زمن بعيد .
لما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرّة « 1 » أوّل النهار فينتظرونه فما يردّهم إلا حر الشمس فبعد أن رجعوا يوما أو في رجل من اليهود على أطم « 2 » من آطامهم لأمر ينظر اليه فبصر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه مبيضين « 3 » فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا بنى قيلة - يعنى الأنصار - هذا جدّكم - حظكم - الذي كنتم تنتظرونه ، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بظهر الحرّة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بنى عمرو بن عوف بقباء على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس وكان له مربد - الموضع الذي يبسط فيه التمر لييبس - فأخذه منه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسسه وبناه مسجدا ، وكان يعمل فيه بنفسه ولم يزل يزوره صلى اللّه عليه وسلم ويصلى فيه أهل قباء ، وكان يؤمهم فيه معاذ بن جبل ، ولما توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم تزل الصحابة تزوره وتعظمه ، وفي صحيح البخاري كان سالم مولى أبى حذيفة رضى اللّه تعالى عنهما يؤم المهاجرين الأوّلين من أصحاب النبي صلى اللّه
هامش
( 1 ) الحرة : أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار .
( 2 ) الأطم بضمة وبضمتين القصر وكل بيت مربع مسطح وكل حصن مبنى بحجارة .
( 3 ) لابسين ثيابا بيضا .